بعد علاقة نرجسية طويلة، كثير من النساء يواجهن تجربة نفسية معقدة يصفها علماء النفس بـ "المَسّ النرجسي"، وهي حالة يتم فيها استيطان وعي المرأة بصوت شخص آخر، بحيث تبدأ أفكارها ومشاعرها بالتأثر كأنها انعكاس مباشر للشريك، لا ملكها الشخصي. هذا التأثير النفسي ليس وهمًا أو ضعفًا في الشخصية، بل نتيجة تراكم طويل للسيطرة النفسية، ويُفسَّر علميًا من خلال نظرية التحكم النفسي (Psychological Control Theory) التي تشير إلى أن الشخص النرجسي يستخدم التلاعب، الشك، والضغط العاطفي لتوجيه تفكير الضحية وسلوكها تدريجيًا، بحيث يصبح كل قرار تتخذه المرأة مرهونًا بقبول أو رفض الآخر. من منظور علم الاجتماع النفسي (Social Psychology)، يمكن فهم هذه الظاهرة كعملية تفاعلية بين الفرد النرجسي، البنية الاجتماعية المحيطة بالمرأة، وأدوار السلطة الرمزية التي يمارسها الشريك، ما يؤدي إلى تغييرات واضحة في إدراك الذات وبناء الهوية النفسية.
تتجلى مظاهر المَسّ النرجسي في عدة أبعاد: الشك الدائم في كل فكرة أو شعور، الاعتماد المستمر على قبول الآخرين قبل اتخاذ أي قرار، فقدان القدرة على تقييم الواقع بشكل مستقل، وتشويش مستمر في التفكير الداخلي. كما أظهرت دراسات مثل نظرية التأثير الاجتماعي للفرقة (Social Influence Theory) أن التعرض المستمر للتلاعب النفسي يمكن أن يؤدي إلى تعديل الطريقة التي تُبنى بها الذاكرة والتصورات الذاتية، بحيث يبدأ الدماغ بتكرار الصوت الخارجي تلقائيًا، حتى في غياب الشخص النرجسي. هذا يفسر شعور الكثيرات بأن "الصوت في رأسهن ليس لهن"، وأنهن فقدن ملكية وعيهن لفترة مؤقتة.
لكن، من منظور علاجي وسوسيولوجي، الوعي بهذه العملية هو الخطوة الأولى نحو التعافي. تشير أبحاث علم النفس الإكلينيكي إلى أن ممارسة الملاحظة الذاتية (self-monitoring)، والتفريق الواعي بين الأفكار الذاتية والأفكار المفروضة، واستعادة شبكة الدعم الاجتماعي، كلها خطوات فعّالة تساعد على استعادة السيطرة على العقل والمشاعر. علاوة على ذلك، توضح الدراسات أن إعادة بناء الثقة بالنفس تتطلب وقتًا مستمرًا، لكن كل خطوة صغيرة نحو وعي الذات تعزز القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، وتقليل التأثير النفسي للشريك السابق.
من الناحية السوسيولوجية، يمكن فهم المَسّ النرجسي أيضًا كأثر للهيكل الاجتماعي الذي يسمح بانتشار هذه العلاقات غير المتوازنة، حيث تلعب الضغوط المجتمعية، نظرة المجتمع للعلاقة، ومحدودية الدعم الخارجي دورًا في استمرار حالة السيطرة النفسية. لذلك، استعادة الوعي الذاتي لا تقتصر على التمرين النفسي الفردي فقط، بل تشمل أيضًا إعادة تقييم المحيط الاجتماعي، إقامة حدود واضحة، والبحث عن مصادر دعم حقيقية وموثوقة.
في هذا السياق، يصبح الموقع منصة معرفية وداعمة، حيث يمكن للمرأة إدراك أن هذه التجربة ليست ضعفًا، بل نتيجة عملية نفسية اجتماعية معقدة يمكن التعامل معها بخطوات واعية ومدروسة. المعرفة، الوعي، والممارسة المنتظمة للحدود النفسية، تساعد النساء على استعادة ملكية أفكارهن، تعزيز استقلاليتهن الفكرية، والتمهيد لبناء حياة أكثر صحة ووعيًا بعد العلاقة النرجسية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق