الانفصال عن شخصية نرجسية ليس مجرد نهاية علاقة، بل دخول
في مرحلة حرجة نفسياً واجتماعياً، سواء للطرف الذي غادر أو للنرجسي نفسه. الشخصية
النرجسية، كما وصفها أوتو كيرنبرغ وهاينز كوهوت، تحمل هشاشة شديدة في تقدير
الذات، وحاجة دائمة للإعجاب والسيطرة. لذلك، ترك المرأة له يشكّل تهديدًا
مباشرًا لهويته النفسية، ويثير سلسلة من التصرفات التي تهدف إلى استعادة
السيطرة، الحفاظ على الصورة، واستنزاف الطرف الآخر عاطفيًا حتى بعد الانفصال. لفهم هذه
الديناميكية بشكل مفصل، يجب النظر إليها من زوايا علم النفس العيادي، علم النفس
الاجتماعي، والسوسيولوجيا، مع ربطها بأمثلة واقعية.
عندما تدرك المرأة أنها لم تعد قادرة على الاستمرار في
العلاقة، أو قررت الانفصال، يبدأ النرجسي أولاً بتنشيط مرحلة الصدمة عبر
المحاولة الأولى للسيطرة على المشاعر. هذه المرحلة غالبًا ما تتضمن التقلب بين
الهجوم والمناورة العاطفية. قد يستخدم الغضب، التهديد، أو محاولة إلقاء اللوم على
المرأة لتشعر بالذنب. في الوقت نفسه، يمكن أن يلجأ إلى التودد المفاجئ، الوعود
الكاذبة بالتغيير، أو التظاهر بالأسف الشديد، في محاولة لاستدراجها للعودة. علماء
النفس يسمون هذا تلاعب عاطفي “Push-Pull”، حيث يدفع النرجسي الطرف الآخر بعيدًا ثم
يحاول سحبه مرة أخرى، ما يخلق ارتباكًا نفسيًا وإدمانًا عاطفيًا مشابهًا لتأثير
التعزيز المتقطّع.
بعد ذلك، يظهر سلوك آخر شائع يسمى التجريد أو التجاهل
العقابي. إذا رفضت
المرأة الاستجابة للنداءات أو الاعتذارات الكاذبة، يبدأ النرجسي في الانسحاب
الكامل أو الصمت الطويل، ما يعرف بـ Silent
Treatment. هذا الصمت
ليس هدوءًا بريئًا، بل وسيلة لإعادة فرض الهيمنة النفسية، وخلق شعور
بالفراغ والذنب لدى الطرف الآخر. الدراسات العصبية تشير إلى أن هذا النوع من
العقاب العاطفي يزيد إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، ويضعف القدرة على
التركيز واتخاذ القرار لدى الضحية.
سوسيولوجيًا، الانفصال عن النرجسي لا يعني أنه يختفي من
الشبكة الاجتماعية أو المحيط. في كثير من الحالات، يحاول النرجسي إعادة صياغة
الرواية الاجتماعية لصالحه: يُظهر نفسه كشريك مثالي أو ضحية للخيانة أو سوء
التفاهم. هذا الاستعراض الاجتماعي يعمل على الضغط النفسي للمرأة وجعلها تشك في
قرارها، لأنه يواجهها بصورته المثالية أمام الآخرين، في حين هي عاشت الألم خلف
الأبواب المغلقة.
واحدة من أخطر التصرفات بعد الانفصال هي محاولة
الاستبدال أو الانتقام العاطفي. النرجسي قد يسعى لتكوين علاقات جديدة بسرعة لإظهار أنه
قادر على الاستمرار دون الطرف السابق، وهذا يعكس داخليًا محاولة لتعويض الشعور
بالنقص والخوف من فقدان السيطرة. أحيانًا يستخدم هذه العلاقات الجديدة كوسيلة لإثارة
الغيرة أو الشعور بالنقص لدى المرأة السابقة، وهو ما يُعرف بـ triangulation في علم النفس الاجتماعي، أي إدخال طرف ثالث لتعميق الصراع
النفسي.
في بعض الحالات، إذا شعر النرجسي أن السيطرة الكاملة لم
تُستعاد، قد يلجأ إلى التشهير أو نشر الأكاذيب عن المرأة السابقة، سواء
داخل العائلة أو دائرة الأصدقاء، لتعزيز صورته المثالية ولتقليل مصداقية الضحية.
هذا السلوك مدروس بعناية ويهدف إلى إبقاء المرأة في موقع دفاع دائم، حتى بعد
الانفصال.
الأمثلة الواقعية كثيرة:
- امرأة تركت زوجها النرجسي بعد
سنوات من الإهمال النفسي، فوجئت بمحاولاته المستمرة للاتصال عبر الرسائل
الهاتفية المتكررة والظهور المفاجئ عند أماكن عملها، رغم رفضها التام للتواصل.
- في حالة أخرى، بدأ النرجسي
بإشاعة أن الانفصال كان بسبب خيانة مزعومة من الزوجة، في محاولة لتشويه
سمعتها أمام العائلة والمجتمع.
- مثال آخر، حيث أظهر النرجسي
اهتمامًا زائدًا بشريك جديد بسرعة كبيرة، لا لإشباع حاجاته العاطفية، بل
لإثارة الغيرة والتأثير على مشاعر المرأة السابقة، مما أوقعها في دوامة من
التفكير المستمر والقلق النفسي.
من منظور التحليل النفسي، هذه التصرفات كلها تنبع من خوف
النرجسي من فقدان الأهمية والسيطرة. العلاقة بالنسبة له ليست مشاركة، بل أداة لتعزيز ذاته،
والحب مرتبط بالهيمنة. لذلك، بعد أن تتركه المرأة، يبدأ في إعادة تشكيل الواقع
النفسي والاجتماعي حول نفسه، لضمان ألا تُستعاد استقلالية الطرف الآخر بسهولة.
الوعي بهذه الديناميكيات النفسية والسوسيولوجية هو خطوة
أساسية للمرأة للتحرر النفسي بعد الانفصال. معرفة أن تصرفات النرجسي بعد الانفصال مخطط
لها نفسيًا ومجتمعيًا، يمكنها من وضع حدود واضحة، تعزيز استقلاليتها،
والانخراط في دعم اجتماعي وعاطفي بعيد عن أي محاولات لإعادة السيطرة. استراتيجيات
مثل عدم الرد على المكالمات أو الرسائل غير الضرورية، الحفاظ على الحدود العاطفية،
وإعادة بناء شبكة دعم قوية تساعد على كسر دورة السيطرة التي يحاول النرجسي الحفاظ
عليها حتى بعد الانفصال.
في النهاية، تصرفات النرجسي بعد الانفصال لا تعكس ضعف
المرأة أو إخفاقها، بل تعكس هشاشته الداخلية وحاجته المطلقة للسيطرة والإعجاب. الفهم
العلمي والسوسيولوجي لهذه الديناميكية يمكّن المرأة من فصل المشاعر عن السلوك،
وتطوير استراتيجيات عملية للحفاظ على صحتها النفسية والاجتماعية، بعيدًا عن محاولة
التحكم به أو العودة للعلاقة المختلة.
في العلاقة النرجسية، لا تُرهَق المرأة لأنها ضعيفة، بل لأنها تحاول أن تحب شخصًا غير قادر على الحب.
الفهم النفسي هو أول خطوة للخروج من هذه الدائرة.
للاستشارة النفسية، تواصلي معنا عبر المدوّنة.
اقرئي أيضًا:لماذا أشتاق للنرجسي رغم الأذى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق