ذاتٌ مُستنزَفة |
تتوه النساء أحيانًا في مفهومي
الحب والزواج، معتقدات أن العلاقة الزوجية ستكون مساحة للدفء والدعم المتبادل،
بينما في العلاقات النرجسية، تتحوّل هذه المساحة تدريجيًا إلى ساحة صراع على
الهوية والكرامة. تدمير الثقة بالنفس لا يحدث فجأة، بل يبدأ في مراحل مبكرة جدًا
من العلاقة، أحيانًا بعد أسابيع قليلة من الزواج، أو حتى أثناء فترة الخطوبة إذا
كانت المرأة واثقة ومستقلة. لفهم هذا، لا بد من النظر إلى الآليات النفسية والسوسيولوجية
التي يستخدمها النرجسي لتحقيق السيطرة، ومدى تأثيرها على الذات النسائية.
علميًا، الشخصية النرجسية
تُعرف وفق تصنيفات أوتو كيرنبرغ وهاينز كوهوت بأنها تحمل هشاشة عميقة في تقدير
الذات، وغالبًا ما تكون مصحوبة بحاجة مستمرة للإعجاب والسيطرة. عندما تتزوج امرأة
واثقة بنفسها، مستقلة ومتعلمة، يصبح وجودها بمثابة مرآة تكشف هشاشة النرجسي
الداخلية. هذا الانكشاف يولّد شعورًا بالتهديد، ومن ثم يبدأ النرجسي بمحاولة إعادة
تشكيل هوية الزوجة لتتناسب مع هيمنته النفسية، وبذلك تبدأ عملية تدمير الثقة
بالنفس.
عادة ما تكون المرحلة الأولى
مموّهة بإعجاب مبالغ فيه. في البداية، يُظهر النرجسي اهتمامًا زائدًا، امتنانًا،
ومودة، لإيهام المرأة بأنها محل تقدير دائم. هذه المرحلة، كما تشير الدراسات في
علم النفس الاجتماعي، تُسمّى “المرحلة المثالية” (Idealization Phase). خلال هذه المرحلة، تبدأ المرأة بالارتباط النفسي العميق،
وغالبًا ما تُبالغ في تقدير العلاقة نفسها، ما يجعل لاحقًا الانحدار في السلوك
أكثر ألمًا وتأثيرًا.
بمجرد أن تبدأ العلاقة
الرسمية، أو يزداد الاعتماد المتبادل، يبدأ تقويض الثقة تدريجيًا. النرجسي يستخدم
مجموعة من الأساليب الممنهجة، منها النقد المستتر، المقارنة المستمرة، السخرية من
القرارات، التقليل من الإنجازات، والتقلب العاطفي. هذه الأساليب تعمل على خلق شك
داخلي لدى الزوجة: “هل أنا كافية؟”، “هل تصرفاتي صحيحة؟”، “هل قراراتي جيدة؟”. من
منظور علم النفس العيادي، يُعرف هذا بـ Gaslighting،
أي التلاعب بالواقع لإقناع الطرف الآخر بأنه مخطئ أو ضعيف، رغم أنه قد يكون على
صواب.
سوسيولوجيًا، هذه الديناميكية
لا تنشأ في فراغ. المجتمع الذي يثني على صبر المرأة وتضحياتها المستمرة، والذي
يربط احترامها بقدرتها على التحمل والصمت، يعزز فعالية هذه الاستراتيجيات. المرأة
في مثل هذه البيئة لا ترفض بسهولة إسقاط النرجسي لذاتها، لأنها تربّت على أن الصبر
والتنازل فضائل. النرجسي يستغل هذا السياق الاجتماعي، فيُحوّل مزايا المرأة
(قوتها، استقلالها، تعلّمها) إلى نقاط ضعف في العلاقة، حتى يضعف ثقتها بنفسها
تدريجيًا.
المرحلة التالية تكون أكثر دقة
وعمقًا: عندما تبدأ المرأة بالاعتماد على نفسها شعوريًا أو ماليًا، يُحاول النرجسي
إعادة تعريف علاقتها بذاتها. يبدأ في فرض السلطة عبر الانتقاص المستمر، فرض قيود
غير معلنة، أو استخدام الصمت العقابي. كل محاولة للتعبير عن الرأي أو اتخاذ القرار
تُقابل بالسخرية أو التجاهل، ما يولّد شعورًا بعدم الكفاءة أو القلق المستمر. هذه
العملية، كما أوضحت جوديث هيرمان في دراساتها عن الصدمات النفسية، تؤدي إلى تآكل
الذات تدريجيًا، حيث تبدأ المرأة بفقدان قدرتها على تقييم نفسها بشكل مستقل.
في الواقع العملي، نجد أمثلة
كثيرة: امرأة كانت واثقة في عملها ومجتمعها، بعد عدة أشهر من الزواج تجد نفسها تشك
في قدراتها. كل قرار صغير يثير شعورًا بالذنب أو القلق، وحتى نجاحاتها تُقلل من
قيمتها داخليًا بسبب المقارنات المستمرة أو الإشارات السلبية التي يوجهها الزوج
النرجسي. كثير من النساء يبلغن مرحلة يعتقدن فيها أن سعادتهن مرتبطة بقدرتهن على
إرضاءه فقط، وليس بمواصلة تطوير ذواتهن.
علميًا، تدمير الثقة يبدأ
مبكرًا ليس فقط من خلال النقد المباشر، بل من خلال تغيير السياق العاطفي للعلاقة.
النرجسي يمارس ما يُعرف في علم النفس العصبي بـ التعزيز السلبي المستمر، حيث يُربط
الشعور بالرفض أو العقاب العاطفي بسلوكيات محددة للزوجة. الدماغ يستجيب لهذه
الأنماط، فيصبح التركيز النفسي على تفادي الغضب أو الاستياء أكثر من التركيز على
الذات والنمو الشخصي.
الأكثر خطورة أن هذه العملية
غالبًا ما تكون خفيّة عن المحيط الاجتماعي. النرجسي يظهر أمام الآخرين كشريك مثالي
أو محب، بينما يُمارس السيطرة والتقويض خلف الأبواب المغلقة. هذا يجعل الزوجة تشعر
بالعزلة، ويزيد من إحساسها بعدم القيمة، ويُعزّز الانعزال النفسي الذي يحتاجه
النرجسي لتكملة السيطرة.
من منظور نظرية التعلّق،
غالبًا ما يملك النرجسي نمط تعلّق تجنّبي أو مضطرب، بينما المرأة القوية تميل إلى
نمط آمن أو آمن مشروط. هذا الاختلاف يولّد صراعًا مستمرًا بين الحاجة إلى الدعم
والاعتماد على الذات. كل محاولة من المرأة لاستعادة استقلالها أو التعبير عن رأيها
تُفسّر لدى النرجسي كتهديد لهويته، فيزداد التشويش النفسي والتقويض المستمر للثقة.
خلاصة القول، النرجسي يبدأ
بتدمير ثقة زوجته بنفسها منذ اللحظة التي يدرك فيها أن استقلالها وقوتها قد تهدد
سيطرته، وغالبًا ما تكون البداية خلال الأشهر الأولى بعد الزواج، أو حتى قبل ذلك،
عبر سلوكيات مموّهة تبدو ودية في البداية. ما يميز العلاقة النرجسية هو أن تآكل
الثقة يحدث تدريجيًا، غالبًا بدون أن تدرك المرأة حجم الضرر حتى تتراكم التجارب.
الوعي بهذه الديناميكية
النفسيّة والاجتماعية هو أول خطوة للحماية. معرفة أن فقدان الثقة بالنفس ليس خطأ
المرأة، بل نتيجة نظام سيطرة نفسي متعمد، يتيح لها تقييم العلاقة بشكل واقعي،
البحث عن دعم اجتماعي، والحفاظ على حدودها الشخصية، حتى قبل التفكير في أي إجراءات
عملية. الفهم السوسيولوجي والنفسي لهذه العملية يمنح المرأة قدرة على استعادة
الذات، ويضع الأساس لأي قرار مستنير للحفاظ على صحتها النفسية والجسدية.
في العلاقة النرجسية، لا تُكسَر المرأة فجأة، بل تفقد نفسها تدريجيًا.
الفهم هو أول خطوة لاستعادتها.
للاستشارة النفسية، تواصلي معنا عبر المدونة.
Jakobaoe
اقرئي أيضًا:علامات تدل انك في علاقة نرجسية وانت لازلت تنكرين

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق