النرجسي، وفق تصنيف أوتو كيرنبرغ وهاينز كوهوت، شخصية تعاني من هشاشة داخلية شديدة في تقدير الذات، تحاول تعويضها عبر السيطرة، الانبهار المستمر من الآخرين، وفرض الهيمنة العاطفية. خلال العلاقة، يتناوب النرجسي بين المرحلة المثالية (Idealization Phase) حيث يُظهر الحب والاهتمام المفرط، ومرحلة التقليل أو الاستهانة (Devaluation Phase) حيث يُنتقد الطرف الآخر ويُستنزف عاطفيًا. هذه الدورة المزدوجة تخلق ما يعرف في علم النفس العصبي بـ التعزيز المتقطّع (Intermittent Reinforcement)، وهو نفس الآلية التي تجعل المخدرات أو القمار تسبب الإدمان: لحظات المكافأة النادرة تخلق تعلقًا نفسيًا قويًا، يجعل الدماغ يربط الألم بالأمل والانتظار بالإشباع.
من منظور نظرية التعلّق (Attachment Theory) كما طورها جون بولبي، النرجسي غالبًا ما يحمل نمط تعلق تجنبي أو مضطرب، بينما ضحاياه، خصوصًا النساء المستقلات أو القويات، غالبًا ما يملكن نمط تعلق قَلِق أو آمن مشروط. هذا الاختلاف يولّد شعورًا متواصلًا بالاشتياق: المرأة ترغب في القرب والدعم، بينما النرجسي ينسحب جزئيًا أو يتحكم بالمكافآت العاطفية. الدماغ، نتيجة لهذا التناوب، يبني ارتباطًا نفسيًا يعتمد على التوقُّع وعدم اليقين، أي أن الاشتياق يصبح جزءًا من نظام التحكم الداخلي وليس مجرد رغبة عاطفية بسيطة.
السوسيولوجيًا، الاشتياق يتغذى على المفاهيم الاجتماعية للألفة، الحب، والتضحية. في كثير من الثقافات، يُربّى النساء على الصبر والتحمل، ويُنظر إلى التنازل عن الذات من أجل الشريك كدليل على الحب الحقيقي. هذا الإطار يعمّق الانغماس النفسي، حيث يصبح الأذى جزءًا “مقبولًا” من العلاقة، بل وقد يُبرّر داخليًا: “هو أذاني، لكنه يحبني بطريقة خاصة”، “كل علاقة صعبة في بدايتها”، أو “ربما أستطيع تغييره بالصبر”. هذا ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ التبرير المعرفي (Cognitive Justification)، وهو محاولة العقل لتقليل التنافر المعرفي بين الألم والحب.
أحد أهم أسباب الاشتياق هو الارتباط العاطفي العميق الذي يتركه النرجسي. حين تكون العلاقة مليئة بالتقلبات، يميل الدماغ إلى تذكر اللحظات الإيجابية بشكل مفرط، متناسيًا الألم أو مقلّلًا من أهميته. علماء النفس العصبي يؤكدون أن الدماغ البشري يتعامل مع فقدان المكافآت العاطفية كنوع من الحرمان، فتنتج استجابات شبيهة بالإدمان، بما في ذلك الحنين، الرغبة في التواصل، والتفكير المستمر. بمعنى آخر، الاشتياق ليس حبًا فقط، بل استجابة عصبية لإدمان عاطفي تم إنشاؤه عبر علاقة مختلة.
في الواقع، كثير من النساء يختبرن هذا الاشتياق بشكل ملموس: امرأة تقول بعد انفصالها: “أشعر بالفراغ، بالرغم من أنني تعرضت للإهانة والإهمال، أفتقد حضوره ونصائحه، وأتمنى لو كان مختلفًا”. هذا مثال حي على كيف أن العلاقة النرجسية تصنع حنينًا مضادًا للأذى، حيث تصبح المرأة مدمنة على اللحظات النادرة من الحب أو التقدير، بينما تتجاهل الألم المزمن.
الصراع النفسي هنا مركب. المرأة تشعر بالذنب على اشتياقها، وتلوم نفسها لأنها لم تُغلق الباب تمامًا، رغم ما تعرضت له. علماء النفس مثل جوديث هيرمان يشيرون إلى أن هذا الشعور ينتج عن تآكل الحدود النفسية، حيث تصبح الذات مرتبطة بالآخر حتى بعد الانفصال، بسبب سنوات من التلاعب العاطفي والصمت العقابي والتقلبات النفسية المتكررة.
هناك أيضًا جانب آخر متعلق بالهوية: النرجسي غالبًا ما يجعل المرأة تشكك في قيمتها الذاتية خارج العلاقة. هي اعتادت على تقييم الذات عبر نظره، حتى وإن كان سلبيًا. بعد الانفصال، يبقى شعور الاشتياق مرتبطًا بما فقدته من “مرجع للذات”، أي أن جزءًا من هويتها النفسية ظل مربوطًا بالنرجسي، مما يزيد من صعوبة كسر هذا الارتباط.
من منظور سوسيولوجي، تزداد صعوبة التحرر عندما يكون النرجسي جزءًا من الشبكة الاجتماعية أو العائلية. المجتمع قد يستمر في تقديمه كشريك مرغوب أو ناجح، بينما يُظهر للمرأة أنها “مبالغة” في النقد أو مبالغة في الألم. هذا يكرّس الاشتياق الداخلي ويعقّد عملية الانفصال النفسي.
بناءً على الدراسات النفسية والسوسيولوجية، يمكن القول إن الاشتياق للنرجسي رغم الأذى يحدث بسبب تداخل العوامل التالية:
التعزيز المتقطّع: خلق نظام مكافآت عاطفية غير متوقعة يربط الألم بالأمل.
نمط التعلّق القلِق: الرغبة المستمرة في القرب والدعم في مواجهة انسحاب النرجسي.
التبرير المعرفي: محاولة العقل تفسير الألم كجزء من الحب أو العلاقة.
فقدان الهوية: اعتماد جزء من تقدير الذات على تقييم النرجسي.
السياق الاجتماعي: القيم الثقافية التي تُمجّد الصبر والتضحيات في الزواج.
الوعي بهذه الديناميكية ليس مجرد معرفة علمية، بل أداة عملية لاستعادة الذات. حين تدرك المرأة أن الاشتياق ليس مؤشرًا على حب غير طبيعي، بل نتيجة لآليات نفسية عصبية وسوسيولوجية محددة، تبدأ في التعامل مع شعورها بشكل أكثر وضوحًا ووعيًا. يمكن استخدام استراتيجيات مثل تطوير استقلالية عاطفية، الانخراط في دعم اجتماعي، ممارسة التأمل واليقظة الذهنية، وفصل الذات عن السلوكيات السابقة للنرجسي، حتى قبل اتخاذ أي قرار عملي بالانفصال أو إعادة العلاقة إلى حدوده الصحية.
الاشتياق للنرجسي، بهذا
المعنى، ليس ضعفًا أو جنونًا، بل نتيجة طبيعية لعلاقة معقدة، مختلة، ومصممة لإعادة
تشكيل المشاعر والهوية. الفهم العلمي والاجتماعي لهذه الظاهرة هو الخطوة الأولى
نحو التحرر النفسي، وإعادة بناء الثقة بالنفس، بعيدًا عن الإدمان العاطفي الذي
خلّفته العلاقة النرجسية.
في العلاقة النرجسية، لا تُرهَق المرأة لأنها ضعيفة، بل لأنها تحاول أن تحب شخصًا غير قادر على الحب.
الفهم النفسي هو أول خطوة للخروج من هذه الدائرة.
للاستشارة النفسية، تواصلي معنا عبر المدوّنة.
الفهم النفسي هو أول خطوة للخروج من هذه الدائرة.
للاستشارة النفسية، تواصلي معنا عبر المدوّنة.
Jakobaoe
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق