الخريطة الكاملة
لما يزرعه النرجسي في ضحاياه
لا يبدأ الضرر في العلاقة النرجسية
على هيئة انهيار واضح، ولا ينتهي عند حدّ الألم النفسي. ما يحدث هو مسار تراكمي،
صامت في مراحله الأولى، ثم مُنهِك في نتائجه. لهذا السبب، كثير من الضحايا لا
يدركون حجم ما تعرّضوا له إلا بعد سنوات، حين يجدون أنفسهم مرهقين نفسياً، متعبين
جسدياً، ومشوَّشين ذهنياً، دون حدث واحد يمكن الإشارة إليه بوصفه السبب. هذا الفصل
لا يهدف إلى تخويف القارئ، بل إلى رسم خريطة واضحة تُظهر كيف يتحوّل الأذى
المتكرر إلى أنماط مرضية، ولماذا لا يكون ذلك دليلاً على ضعف، بل على تعرّض طويل
للاستنزاف.
في المرحلة الأولى، يكون الأذى
محدوداً نسبياً: مواقف مربكة، كلمات جارحة، شعور متكرر بعدم الارتياح. الضحية ما
زالت قادرة على التبرير، والتكيّف، وإقناع نفسها بأن الأمر عابر. في هذه المرحلة،
يعمل العقل كجهاز دفاع، يقلّل من حجم الألم ليحمي العلاقة. لكن هذا “التكيّف” هو
في الواقع أول خطوة في مسار المرض، لأنه يؤجّل المواجهة ولا يمنع الضرر.
مع استمرار العلاقة، يدخل الضحية
المرحلة الثانية:
الضغط المزمن. هنا يصبح التوتر حالة طبيعية، والقلق
خلفية دائمة للحياة اليومية. لا يوجد انفجار واضح، بل استنزاف بطيء. الجسد يبدأ
بإظهار أعراض، العقل يدخل في دوائر شكّ، والهوية تتآكل. في هذه المرحلة، لا يعود
الأذى حدثاً، بل بيئة. بالمقارنة، الشخص الذي يمر بأزمة مؤقتة يعود تدريجياً إلى
توازنه بعد انتهائها، أما ضحية العلاقة النرجسية فلا يُمنَح فرصة التعافي لأن مصدر
الضغط مستمر.
ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي الأخطر: التكيّف المرضي. هنا لا يعود الضحية يشتكي فقط، بل
يعيد تنظيم حياته حول الألم. يتعلّم كيف يتجنب الغضب، كيف يصمت، كيف يتنازل، كيف
يحمّل نفسه الذنب قبل أن يُتَّهَم به. هذه الاستجابات قد تبدو في ظاهرها “حكمة” أو
“نضجاً”، لكنها في جوهرها استراتيجيات بقاء. النقد البنّاء هنا يقتضي التمييز بين
التكيّف الصحي الذي يحمي الإنسان، والتكيّف المرضي الذي يُبقيه داخل الأذى.
مع مرور الوقت، تبدأ الأعراض بالتحوّل
إلى أنماط مستقرة:
قلق مزمن،
اكتئاب صامت، اضطرابات نوم، اعتماد عاطفي، خوف من المواجهة، ضعف في اتخاذ القرار.
هذه الأعراض لا تظهر دفعة واحدة، بل تتشابك، وتغذّي بعضها البعض. القلق يزيد
الأرق، الأرق يضعف التركيز، ضعف التركيز يزيد الشك بالذات، والشك يعمّق الاعتماد.
وهكذا، يجد الضحية نفسه داخل دائرة مغلقة يصعب كسرها دون وعي واضح بما يحدث.
من المهم التمييز هنا بين المرض
بوصفه تشخيصاً طبياً، والمرض بوصفه حالة نفسية–اجتماعية مكتسبة. ليس كل ضحية
نرجسي تُصاب باضطراب نفسي بالمعنى الطبي، لكن كثيرين يطوّرون أعراضاً تشبه
الاضطرابات، لأنها نتيجة بيئة غير إنسانية. هذا التمييز يحمي الضحية من وصم نفسها،
ويعيد المسؤولية إلى العلاقة والسياق، لا إلى “خلل داخلي” مزعوم.
اجتماعياً، كثير من هذه الحالات تُساء
قراءتها. يُنظر إلى الضحية على أنها “متعبة”، “سلبية”، أو “درامية”. نادراً ما
يُسأل السؤال الأهم:
ما الذي
عاشته؟
المجتمع غالباً يهتم بالنتيجة، لا بالمسار. وهذا ما يجعل الضحية تشعر بالعزلة،
وكأن معاناتها غير مرئية أو غير مفهومة. إدراك الخريطة الكاملة للأذى يعيد
الاعتبار للتجربة، ويمنحها معناها.
في هذه المرحلة، يبدأ سؤال مهم
بالظهور:
هل أنا
مريضة؟
الجواب الأدق:
أنتِ/أنتَ
مُرهَق/ة.
هناك فرق
كبير بين المرض كهوية، وبين التعب كنتيجة. النرجسي لا “يُمرِض” ضحاياه فجأة، بل
يزرع فيهم إنهاكاً متراكماً، وإذا لم يُعالَج، قد يتحول إلى اضطراب حقيقي. هذا
الفهم لا يقلّل من خطورة ما يحدث، بل يفتح باب الأمل، لأن ما هو مكتسب يمكن تفكيكه.
نقطة التحوّل تبدأ حين تتوقف الضحية
عن محاولة “إصلاح نفسها” وحدها، وتبدأ بالنظر إلى الصورة الكاملة. حين تفهم أن ما
تعانيه ليس سلسلة مشاكل منفصلة، بل منظومة أذى واحدة. هذا الفهم يغيّر طريقة
التعامل مع الذات: من جلد ولوم، إلى رعاية وحماية. هنا يبدأ مسار مختلف، لا يقوم
على التحمل، بل على الاستعادة.
الخروج من هذه الدائرة لا يكون دائماً
فورياً، ولا يتطلب قرارات دراماتيكية في لحظة واحدة. أحياناً يبدأ بخطوة داخلية:
الاعتراف، التسمية، إعادة ترتيب الأولويات. وأحياناً يتطلب دعماً خارجياً، مهنياً
أو إنسانياً. المهم هو كسر الإنكار، لأن الإنكار هو التربة التي ينمو فيها المرض.
هذا الفصل لا يُختَم بنهاية مغلقة، بل
بفتح باب. باب الوعي، وباب الاختيار. لأن إدراك الخريطة يعني أنك لم تعُد تائهة
فيها. ومن يرى الطريق، حتى لو كان متعباً، لم يعُد عاجزاً.
الأذى النرجسي لا يتحول إلى مرض بين
ليلة وضحاها، بل عبر مسار طويل من الضغط والتكيّف والإنكار. ما تشعر به اليوم هو
نتيجة ما عشته، لا تعريف لك. حين تفهم كيف وصل الألم إلى هذه المرحلة، تبدأ
باستعادة قدرتك على الخروج منه، خطوة خطوة، وبكرامة.
✦ إن شعرتِ أن هذا المقال يصفك، فأنتِ لستِ وحدك
✦ تابعي صفحتنا على إنستغرام وفيسبوك
✦ الوعي أول طريق التعافي
اقرئي أيضًا:اعادة بناء الذات
jakobaoe
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق