الجمعة، 30 يناير 2026

مفهوم النرجسية من منظور سيغموند فرويد

 

سيغموند فرويد

يُعدّ سيغموند فرويد أول من أدخل مفهوم النرجسية إلى الحقل التحليلي النفسي بوصفه مفهومًا علميًا منظمًا، بعدما كان المصطلح مستمدًا أساسًا من الأسطورة الإغريقية عن نرجس. وقد شكّلت النرجسية، في فكر فرويد، حجر زاوية لفهم تطوّر الشخصية، والعلاقة بين الذات والآخر، وكذلك لفهم عدد كبير من الاضطرابات النفسية. فالنرجسية عند فرويد ليست صفة أخلاقية ولا عيبًا في الشخصية، بل حالة نفسية لها جذورها التطورية والدينامية، وقد تكون طبيعية في مراحل معينة، أو مرضية عندما تتصلّب وتنفصل عن الواقع.

ينطلق فرويد من فرضية أساسية مفادها أن الطاقة النفسية أو الليبيدو (Libido) هي القوة المحركة للسلوك النفسي. هذه الطاقة يمكن أن تُوجَّه نحو الذات أو نحو الموضوع الخارجي (الآخر). ومن هنا يميز فرويد بين نوعين أساسيين من الاستثمار الليبيدي: استثمار موجَّه إلى الأنا، واستثمار موجَّه إلى الموضوع. النرجسية، وفق هذا التصور، هي الحالة التي يكون فيها الاستثمار الليبيدي موجّهًا نحو الأنا بدل أن يكون موجّهًا نحو الآخر.

في نصّه الشهير "في النرجسية: مقدمة" (1914)، يقدّم فرويد مفهوم النرجسية الأولية بوصفها مرحلة طبيعية في النمو النفسي. فالطفل في بدايات حياته لا يميز بوضوح بين ذاته والعالم الخارجي، ويكون هو مركز تجربته النفسية. في هذه المرحلة، يكون الطفل موضوع حبّ ذاته، وتتركز الطاقة الليبيدية داخله. هذه النرجسية الأولية ليست مرضية، بل ضرورية لتكوّن الأنا وبناء الإحساس بالذات. فالطفل يحتاج أن يكون محبوبًا، وأن يشعر بقيمته، كي تتشكل لديه بنية نفسية قادرة لاحقًا على التعلّق بالآخرين.

غير أن المشكلة تبدأ عندما يحدث خلل في الانتقال من النرجسية الأولية إلى القدرة على توجيه الحب نحو الموضوع الخارجي. في النمو الصحي، يتعلم الطفل تدريجيًا أن يخرج من تمركزه حول ذاته، وأن يقيم علاقات عاطفية حقيقية مع الآخرين، مع الاحتفاظ بإحساس متوازن بقيمته الذاتية. أما في الحالة النرجسية المرضية، فيبقى الفرد أسيرًا لاستثمار ليبيدي مفرط في ذاته، أو يعود إليه بشكل دفاعي بعد خيبات أو جروح نفسية.

هنا يقدّم فرويد مفهوم النرجسية الثانوية، وهي حالة يعود فيها الليبيدو من الموضوع الخارجي إلى الأنا. يحدث ذلك غالبًا نتيجة خيبة، رفض، أو صدمة عاطفية. فبدل أن يتحمّل الفرد ألم الفقد أو الإحباط في العلاقة، ينسحب نفسيًا من الآخر ويعيد استثمار طاقته في ذاته. هذا الانسحاب لا يكون وعيًا، بل آلية دفاعية تهدف إلى حماية الأنا من الانهيار. إلا أن هذه الحماية تكون مؤقتة ومضلِّلة، لأنها تعمّق الانفصال عن الواقع.

يرى فرويد أن الشخص النرجسي يعاني من علاقة مضطربة مع الحب الموضوعي. فهو إمّا يعجز عن الحب الحقيقي، أو يحب بطريقة مشروطة، قائمة على الإعجاب والتماهي، لا على الاعتراف بالآخر كذات مستقلة. النرجسي لا يختار موضوع حبه لأنه يراه كما هو، بل لأنه يعكس صورة مثالية عن ذاته. ولهذا، فإن علاقاته غالبًا ما تكون هشّة، قصيرة، أو مليئة بالصراعات، لأنها تنهار فور تهديد الصورة النرجسية.

ومن المفاهيم المركزية في تحليل فرويد للنرجسية مفهوم الأنا المثالية (Ideal Ego). الأنا المثالية هي الصورة التي يرغب الفرد أن يكون عليها، والتي غالبًا ما تتشكل في الطفولة نتيجة توقعات الوالدين أو إعجابهم المفرط أو المشروط. الشخص النرجسي يخلط بين ذاته الواقعية وهذه الصورة المثالية، ويطالب العالم أن يعامله وفقها. وأي فشل، أو نقد، أو تجاهل يُعدّ تهديدًا مباشرًا لبنية الأنا، ويُستقبل بحدة، غضب، أو انسحاب.

يربط فرويد بين النرجسية وبعض الاضطرابات النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب والذهان. ففي الاكتئاب، ينسحب الليبيدو من الموضوع ويُوجَّه نحو الأنا، لكن في صورة عدوانية، حيث تتحول الأنا إلى موضوع نقد وقسوة. أما في النرجسية، فيُوجَّه الليبيدو إلى الأنا في صورة تعظيم وتضخيم. ورغم الاختلاف الظاهري، يرى فرويد أن الحالتين تشتركان في خلل عميق في العلاقة مع الآخر.

كما يلفت فرويد الانتباه إلى أن النرجسية ليست دائمًا واضحة أو صاخبة. فقد تكون كامنة، متخفية خلف التواضع الظاهري، أو خلف دور الضحية، أو حتى خلف التفاني المفرط. ما يميزها ليس السلوك الخارجي فقط، بل البنية الداخلية: الحاجة المستمرة إلى الإعجاب، الحساسية المفرطة تجاه النقد، وصعوبة تحمّل الإحباط.

في النهاية، لا ينظر فرويد إلى النرجسية بوصفها شرًا نفسيًا مطلقًا، بل كظاهرة إنسانية لها جذورها التطورية ووظيفتها الدفاعية. لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى بنية ثابتة تمنع الفرد من إقامة علاقات حقيقية، ومن مواجهة ذاته كما هي، لا كما يتخيلها. فالنضج النفسي، في التحليل الفرويدي، لا يعني التخلي عن حب الذات، بل تحقيق توازن دقيق بين احترام الذات والقدرة على حب الآخر.

قد يبدو مفهوم النرجسية عند فرويد نظريًا، لكنه في الواقع يفسّر بدقة ما يعيشه ضحايا العلاقات النرجسية يوميًا. فعندما يصف فرويد انسحاب الليبيدو إلى الأنا، وعجز النرجسي عن الحب الموضوعي، فهو يصف علاقة يكون فيها الطرف الآخر حاضرًا بجسده، غائبًا بعاطفته، غير قادر على رؤية شريكه كذات مستقلة. في مثل هذه العلاقات، لا يُطلب من الضحية أن تُحَب، بل أن تؤدي دورًا نفسيًا: مرآة، مصدر إعجاب، أو أداة ترميم لجراح لم تُشفَ.

كثير من الضحايا يخرجون من هذه العلاقات وهم محمّلون بالارتباك، والذنب، وتآكل الثقة بالنفس، دون أن يفهموا ما الذي حدث لهم تحديدًا. التحليل النفسي لا يهدف إلى تبرير سلوك النرجسي، بل إلى فكّ هذه الديناميكية المؤلمة، وإعادة المعنى لتجربة أرهقتكِ نفسيًا وجعلتكِ تشكّين بذاتكِ. الفهم هنا ليس ترفًا فكريًا، بل خطوة أساسية لاستعادة الحدود، والوعي، والكرامة النفسية.

إذا شعرتِ أن هذا المقال يشرح علاقتكِ أكثر مما كنتِ قادرة على التعبير عنه، فاعلمي أن ما مررتِ به له تفسير، وله طريق تعافٍ. الاستشارة النفسية المتخصصة تتيح لكِ مساحة آمنة لفهم ما حدث، دون لوم، ودون تبرير للأذى، وبوتيرة تحترم قدرتكِ على الاستيعاب والتعافي.

للاستشارة النفسية المتخصصة في العلاقات النرجسية وفهم أثرها العميق على الذات، يمكنكِ التواصل معنا عبر صفحة التواصل في المدوّنة أو على الخاص.

: اقرئي أيضًا مفهوم الشخصية النرجسية في ضوء التحليل النفسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

استعادة الكرامة بعد العلاقة النرجسية ....

  حبّ الذات ليس أنانية حبّ الذات ليس أنانية… بل استعادة للكرامة بعد علاقة نرجسية يُثير مفهوم «حبّ الذات» لدى ضحايا العلاقات النرجسية شعورً...