الجمعة، 30 يناير 2026

كيف يستخدم النرجسي الصمت كعقاب نفسي؟

 

 


الصمت في العلاقات النرجسية ليس مجرد غياب للكلام أو لحظة هدوء عابرة، بل هو أداة متقنة للعقاب النفسي، تُستخدم بشكل متعمد لإعادة تشكيل سلوك الطرف الآخر والتحكم بمشاعره. النرجسي لا يعاقب بالضرب أو الإهانة المباشرة فقط، بل عبر أساليب أكثر دقة ودهاء، تترك آثارًا نفسية طويلة المدى على المرأة، خاصة إذا كانت صبورة ومستعدة للتضحية. لفهم هذه الظاهرة، لا بد من النظر إليها من منظور علم النفس العيادي والسوسيولوجي، مع ربطها بأمثلة واقعية تُظهر كيف تتحوّل العلاقة اليومية إلى ساحة تحكّم خفي.

الصمت كعقاب يُعرف في علم النفس بـ “Silent Treatment”، ويُدرج ضمن ما يسمّى الاعتداء النفسي العاطفي (Emotional Abuse). أبحاث علماء النفس مثل وينيكووت وجوديث هيرمان تؤكد أن هذا النوع من السلوك يهدف إلى فرض السيطرة النفسية وإضعاف الذات الأخرى تدريجيًا. النرجسي يستخدم الصمت ليُنشئ حالة من القلق والتوتر المستمر عند الطرف الآخر، حيث تصبح المرأة في حالة دائمة من التخمين: هل أخطأت؟ ماذا فعلت لتغضبه؟ هل هو غاضب مني؟

الآلية النفسية للصمت العقابي تعتمد على التعزيز المتقطّع (Intermittent Reinforcement)، وهي نظرية موثقة في علم النفس العصبي الاجتماعي. الدماغ، كما أظهرت الدراسات، يتفاعل بشكل أقوى مع المكافآت غير المنتظمة من الألم أو اللطف. عندما يمتنع النرجسي عن الكلام لفترة، ثم يعاود التواصل فجأة بلطف أو اعتذار جزئي، يُرسخ هذا التباين المربك رابطًا نفسيًا يشبه الإدمان: الألم يرتبط بالأمل، والأمل يرتبط بالرضا المؤقت، مما يجعل المرأة عالقة في حلقة من القلق والملاحظة المستمرة.

سوسيولوجيًا، الصمت كأداة عقاب لا يعمل بمعزل عن السياق الاجتماعي. في كثير من المجتمعات، المرأة مُربّاة على فكرة أن التحمّل والهدوء من الفضائل، وأن إظهار الغضب أو الانسحاب يُعتبر تقصيرًا أو ضعفًا. النرجسي يستفيد من هذه القيم لإضفاء شرعية على صمته: هي تتحمّل، لأنه على حق أو لأنها "مسؤولة عن توازن العلاقة". هذا الإطار الاجتماعي يعمّق الضغط النفسي ويُطيل فترة التأثير السلبي للصمت.

الخطورة تكمن في أن المرأة، أثناء الصمت العقابي، تبدأ بتقليص ذاتها داخليًا. تقول لنفسها: “ربما أنا السبب”، “لو تصرفت بشكل مختلف لما غضب”، “ربما أنا لا أفهمه كما يجب”. هذا ما يسميه علماء النفس التفكير الذاتي السلبي (Self-blame Cognition)، وهو أحد أهم النتائج النفسية للصمت العقابي. النرجسي بذلك لا يحتاج حتى إلى توجيه كلمات جارحة؛ كلماته المفقودة تُحدث الضرر الأكبر، لأنها تُجعل المرأة تشك في إدراكها لذاتها وواقعها.

في الواقع العملي، نجد أمثلة واضحة: امرأة تحاول التحدث عن شعورها بالإحباط بعد يوم طويل، فيُجابه صمت طويل من زوجها النرجسي. تمر ساعات أو أيام دون أي استجابة، ولا توضح الأسباب. المرأة تبدأ بمراجعة كل تصرفاتها السابقة، تعيد سرد الحوار، تبرّر المواقف، وتنتظر أي إشارة منه للطمأنينة. هذا الانتظار المستمر يُنتج حالة من القلق المزمن، ويزيد من مستوى هرمون الكورتيزول في الجسم، ما يؤدي إلى توتر دائم، أرق، وفقدان التركيز.

علميًا، الصمت العقابي يرتبط بما يُعرف بـ تجربة فقدان السيطرة (Loss of Control Experience). النرجسي يعرف أن السيطرة على سلوك الطرف الآخر تتحقق عبر التحكم بالقدرة على التفاعل الاجتماعي والعاطفي. المرأة المعتادة على الحوار، على التعبير عن شعورها، على مشاركة أفكارها، تجد نفسها فجأة مقطوعة عن الرد، مجبرة على الانتظار، محرومة من التواصل، وهذا يُضعف ثقتها بقدرتها على التأثير ويزيد اعتمادية نفسية غير صحية.

بالإضافة إلى ذلك، الصمت العقابي يعمل على تطويع التوقعات. بعد فترة، قد تبدأ المرأة بتجنب إثارة غضبه، وتعدل سلوكها لتفادي الصمت، حتى لو كان تصرفها طبيعيًا أو مشروعًا. بهذا الشكل، يصبح الصمت وسيلة لتدجين الطرف الآخر، وهو ما وصفه علماء النفس الاجتماعي بأنه “إعادة برمجة السلوك عبر العقاب العاطفي غير المباشر”. النرجسي لا يحتاج إلى الصراخ أو التهديد؛ يكفي الصمت ليعيد تشكيل علاقة القوة داخل الزواج.

أمثلة أرض الواقع كثيرة:

·        امرأة تتحدث عن نجاحها في عملها أو مشروعها، فيُقابل هذا بمقاطعة صامتة طويلة، ما يجعلها تشك في قيمة إنجازها.

·        امرأة ترفع صوتها للدفاع عن نفسها أو لأخذ قرار بشأن الأسرة، فيمتنع الزوج عن أي رد فعل، تاركًا فراغًا نفسيًا كبيرًا، وكأن كلامها غير موجود.

·        في حالات أبسط، يبدأ النرجسي بالتحول إلى “الغياب العاطفي” أثناء النقاشات اليومية، مما يجعل الطرف الآخر يعيد تقييم كل تصرفاته ويعيش في حالة من التوتر المستمر، مع شعور بالذنب غير المبرر.

الوعي النفسي والاجتماعي هنا حاسم. الصمت كعقاب ليس ضعفًا من الطرف الآخر، بل استراتيجية محسوبة لإضعاف الذات. معرفة هذه الحقيقة لا تزيل الألم فورًا، لكنها تمنح المرأة إطارًا لفهم ما يحدث وتقييم العلاقة بشكل أكثر واقعية. كما أن علماء النفس مثل جوديث هيرمان يؤكدون أن أول خطوة للحد من تأثير الصمت العقابي هي تحديد الحدود النفسية وتطوير آليات للتعامل مع الانتظار، مثل الانخراط في نشاطات مستقلة، تطوير شبكة دعم، وممارسة اليقظة الذهنية لتقليل القلق الناتج عن غياب الردود.

خلاصة القول، الصمت العقابي في العلاقات النرجسية هو أكثر من مجرد غياب للكلام؛ هو أداة سيطرة نفسية دقيقة، تؤثر على الثقة بالنفس، تحرّك أنماط القلق، وتستغل القيم الاجتماعية والدينية لتعميق التأثير. المرأة التي تفهم هذه الديناميكية تستطيع تقليل التأثير النفسي السلبي، وإعادة بناء قدرتها على التمييز بين الصمت كأداة تحكم والصمت الطبيعي أو الصحي.

الفهم العميق لهذه الآلية يمكّن المرأة من اتخاذ خطوات واقعية للحفاظ على صحتها النفسية، سواء كان ذلك عبر الحفاظ على حدود واضحة، الانخراط في دعم اجتماعي، أو إعادة تقييم طبيعة العلاقة نفسها. علم النفس السوسيولوجي يؤكد أن معرفة اللعبة النفسية هي الخطوة الأولى لاستعادة الذات، حتى قبل أي قرار عملي بالابتعاد أو المواجهة المباشرة.

✦ إن شعرتِ أن هذا المقال يصفك، فأنتِ لستِ وحدك

✦ تابعي صفحتنا على إنستغرام وفيسبوك

✦ الوعي أول طريق التعافي

Jakobaoe

اقرئي أيضًا:كيف يدمرك النرجسي وانت تظنين أنك امراة صبورة 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

استعادة الكرامة بعد العلاقة النرجسية ....

  حبّ الذات ليس أنانية حبّ الذات ليس أنانية… بل استعادة للكرامة بعد علاقة نرجسية يُثير مفهوم «حبّ الذات» لدى ضحايا العلاقات النرجسية شعورً...