الجمعة، 30 يناير 2026

في عشق الانعكاس

 

زهرة النرجس


مأساة نرجس الإغريقية

تروي الأسطورة الإغريقية القديمة قصة شاب يُدعى نَرجِس، كان آيةً في الجمال، حتى قيل إن كل من يراه يقع في أسره، لا لشيء إلا لأن ملامحه كانت تعكس كمالًا نادرًا يخطف الأبصار. نشأ نرجس محاطًا بالإعجاب، تتبعه النظرات أينما حلّ، وتُقدَّم له المشاعر دون أن يطلبها، لكنه، على الرغم من ذلك، بقي بعيدًا عن الجميع، عاجزًا عن أن يمنح قلبه لأحد. كان يرفض الحب لا عن قسوة متعمّدة، بل عن برود غامض، كأن شيئًا ما في داخله لم يتعلّم يومًا كيف يتصل بالآخر.

وذات يوم، وبينما كان يتجول وحيدًا في ريفٍ هادئ تحيط به الغابات، قادته خطواته إلى بحيرة ساكنة، صافية كأنها مرآة مصقولة. انحنى فوق سطحها، فرأى انعكاس وجهه للمرة الأولى بوضوح كامل. هناك، في ذلك الماء الساكن، التقى نرجس بصورة لم يكن يعرفها من قبل: صورته هو. في تلك اللحظة، وقع في حبٍ جارف، حبٍ لم يشبه أي حب آخر، لأنه لم يكن موجَّهًا إلى إنسان من لحم ودم، بل إلى صورة كاملة، صامتة، لا تطلب شيئًا ولا ترفض شيئًا.

أخذ نرجس يحدّق في انعكاسه ساعاتٍ طويلة، مأخوذًا بجمال الملامح، بسحر العينين، بتناغم الخطوط. كلما اقترب، اقتربت الصورة، وكلما حاول لمسها، تلاشت تحت تموّج الماء. لم يكن يدرك أن ما يراه ليس كائنًا يمكن امتلاكه، بل وهمًا لا يعيش إلا ما دام بعيدًا. ومع مرور الوقت، تحوّل الإعجاب إلى هوس، والهوس إلى شوقٍ مؤلم، ثم إلى يأسٍ خانق. أحب نرجس صورته حبًا مطلقًا، لكنه كان حبًا بلا إمكانية، بلا لقاء، بلا اكتمال.

راح يذبل شيئًا فشيئًا، لا يأكل ولا ينام، مشدودًا إلى البحيرة كأنها قدره المحتوم. كان الألم الذي ينهشه ليس فقط ألم الفراق، بل ألم العجز: عجزه عن الوصول إلى ما يحب، وعجزه عن الانفصال عنه في الوقت نفسه. ومع إدراكه المتأخر أن محبوبه ليس سوى انعكاس لا روح له، انهار داخليًا، وغمره يأسٌ عميق. تقول الأسطورة إن هذا اليأس قاده إلى الموت، فسقط جسده على ضفاف البحيرة، واختفى صوته الذي لم ينادِ أحدًا يومًا.

ومن المكان الذي سالت فيه قطرات دمه، نبتت زهرة جميلة، بيضاء تميل إلى الصفرة، مطأطئة الرأس نحو الماء، كأنها لا تزال تنظر إلى انعكاسها. ومنذ ذلك الحين، عُرفت هذه الزهرة باسم “النرجس”، تخليدًا لقصة الشاب الذي أحب صورته حتى الفناء.

وهكذا بقيت أسطورة نرجس حاضرة عبر القرون، لا كحكاية عن الجمال فحسب، بل كرمز إنساني عميق عن الانغماس في الذات، وعن المصير الذي قد يلقاه من يخلط بين الحب الحقيقي والانبهار بالصورة، وبين الذات الحية وانعكاسها الصامت.

في العلاقة النرجسية، لا تُكسَر المرأة فجأة، بل تفقد نفسها تدريجيًا.
الفهم هو أول خطوة لاستعادتها.
للاستشارة النفسية، تواصلي معنا 

Jakobaoe

اقرئي أيضًا:مفهوم الشخصية النرجسية في ضوء التحليل النفسي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

استعادة الكرامة بعد العلاقة النرجسية ....

  حبّ الذات ليس أنانية حبّ الذات ليس أنانية… بل استعادة للكرامة بعد علاقة نرجسية يُثير مفهوم «حبّ الذات» لدى ضحايا العلاقات النرجسية شعورً...