المراهقات بين الفراغ العاطفي والاستغلال النرجسي
في السنوات الأخيرة، وبحكم عملي واختصاصي، استمعتُ إلى عدد كبير من
القصص التي تُثقل القلب حزنًا، وتكشف عن واقع مؤلم تعيشه فتيات في عمر المراهقة،
وجدن أنفسهنّ ضحايا لأشخاص استغلّوا ضعفهنّ، وتلاعبوا بمشاعرهنّ، مستخدمين الكذب،
والتلاعب العاطفي، وسمات الشخصية النرجسية كوسيلة للسيطرة والإيذاء النفسي.
المؤلم في هذه القصص ليس فقط ما تعرّضت له الفتيات، بل الأسباب
العميقة التي قادتهنّ إلى هذا المصير، وعلى رأسها غياب الاحتواء الأسري، وضعف
الدعم العاطفي، وقلة الحوار، وأحيانًا الإهمال التربوي غير المقصود.
الابن أو الابنة أمانة، مسؤولية أخلاقية ونفسية قبل أن تكون بيولوجية
أو اجتماعية. حين يكبر الطفل دون أن يجد في بيته مساحة آمنة للتعبير، أو حضنًا
يسمع دون حكم، أو قلبًا يفهم دون تقليل، فإنه سيبحث عن هذا الأمان في الخارج،
وغالبًا في المكان الخطأ، ومع الشخص الخطأ.
إحدى القصص التي تتكرر كثيرًا هي قصة فتاة في السادسة عشرة من عمرها،
لم تكن تبحث عن علاقة، بل عن من يسمعها. تعرّفت إلى شخص أكبر منها، أغرقها بالكلام
المعسول، وأوهمها بأنها “مميّزة” و“مختلفة”، بينما كان في الحقيقة يستغل حاجتها
للاهتمام، ويعيد تشكيل وعيها تدريجيًا لتتنازل عن حدودها، وتشكّك في ذاتها، وتظن
أن قبول الأذى هو ثمن الحب. لم تكن هذه الفتاة ضعيفة العقل، بل كانت جائعة عاطفيًا.
وقصة أخرى لفتاة نشأت في بيت يوفّر كل شيء ماديًا، لكنه يفتقر إلى
الدفء. لم يكن يُسمح لها بالخطأ، ولا بالتعبير، ولا حتى بالبكاء. حين دخل شخص
نرجسي حياتها، قدّم لها ما افتقدته: الإصغاء، الإعجاب، الإحساس بأنها مرئية. لم
تنتبه إلا بعد وقت طويل أنها أصبحت عالقة في علاقة تستنزفها نفسيًا، وتُفقدها
احترامها لذاتها.
هذه القصص ليست استثناءً، بل نماذج متكررة لواقع يجب التوقف عنده
بوعي ومسؤولية. فالمراهقة مرحلة حسّاسة، تتشكّل فيها الهوية، وتكون فيها المشاعر
في ذروتها، والعقل ما زال في طور النضج. وهنا يأتي دور الأهل، ليس بالرقابة
القاسية، ولا بالمنع الأعمى، بل بالاحتواء، والحوار، وبناء الثقة، وتعليم الأبناء
معنى الحدود الصحية، والفرق بين الاهتمام الحقيقي والتلاعب.
وإلى كل أب وأم: ابنتك، ابنك، ليسا ملكًا لكما، بل أمانة بين أيديكم.
إن كانت لديك جوهرة ثمينة، هل تتركها في أي مكان؟ أم تحرص عليها، وتحميها، وتضعها
في موضع يليق بقيمتها؟ كذلك قلب ابنك أو ابنتك. القلب جوهرة، والمشاعر كنز، ومن
الخطأ أن تُمنح لمن لا يستحقها أو لا يعرف قيمتها.
وإلى كل فتاة تقرأ هذه الكلمات: أنتِ قيمة، وجودك ليس مشروطًا بقبول
أحد، ولا بحب شخص، ولا بإرضاء الآخر على حساب نفسك. لا تسمحي لأحد أن يتجاوز
حدودك، أو يستغل طيبتك، أو يعبث بمشاعرك تحت مسمّى الحب. من يحبك حقًا، يحترمك،
يصونك، ويمنحك الأمان لا الخوف، والطمأنينة لا القلق.
احفظي قلبك، كما تُحفظ الجواهر النفيسة، لا بقلق، بل بوعي. انتظري من
يستحق مشاعرك، من يأتيكِ بوضوح لا بألعاب، بصدق لا بكذب، وبمسؤولية لا باستغلال.
فالشخص المناسب لا يسرق منك نفسك، بل يساعدك على أن تكوني أكثر قربًا منها.
هذا الخطاب ليس تخويفًا، بل دعوة للوعي. وليس اتهامًا، بل تحمّلًا
للمسؤولية. لأن حماية أبنائنا وبناتنا تبدأ من البيت، وتستمر بالتربية، وتنضج
بالحب الواعي، لا الحب الأعمى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق