قصة نرجس في الأسطورة الإغريقية ليست حكاية جمالية أو تراجيدية فحسب،
بل هي نصّ رمزي كثيف يحمل في طبقاته العميقة قراءة نفسية بالغة التعقيد عن العلاقة
بين الإنسان وذاته، وعن التحول المرضي للحب عندما ينفصل عن الواقع وعن الآخر.
فالأسطورة، كما هو حال معظم الأساطير الكبرى، لا تُروى لكي تُصدَّق حرفيًا، بل لكي
تُفهم نفسيًا. نرجس ليس مجرد شاب جميل رأى صورته في الماء، بل هو تمثيل مبكر لبنية
نفسية ستُعرف لاحقًا في علم النفس باسم “النرجسية”، بكل ما تحمله من صراعات
داخلية، دفاعات نفسية، وعجز عميق عن بناء علاقة حقيقية مع العالم.
من منظور التحليل النفسي، تبدأ القصة من نقطة محورية: الجمال. نرجس
كان جميلًا بصورة استثنائية، والجمال هنا لا يُقرأ بوصفه صفة خارجية فقط، بل كعامل
نفسي شكّل علاقته بذاته وبالآخرين منذ الطفولة. في التحليل النفسي، عندما يُفرَط
في إعجاب الآخرين بالطفل، أو عندما تُختزل قيمته في مظهره أو تميّزه، ينشأ ما
يُسمّى بـ “الاستثمار النرجسي” المفرط. أي أن الطفل يتعلم، بشكل غير واعٍ، أن
قيمته ليست فيما هو عليه داخليًا، بل فيما يعكسه للآخرين. هذا النوع من الاستثمار
لا يُنتج ذاتًا مستقرة، بل ذاتًا هشة تعتمد في بقائها النفسي على الانعكاس الخارجي
المستمر. نرجس، بحسب الأسطورة، كان مَطلوبًا، محبوبًا، مرغوبًا، لكنه لم يكن
قادرًا على الحب. وهذا العجز عن الحب ليس نقصًا أخلاقيًا، بل علامة على خلل بنيوي
في القدرة على التعلّق.
القدرة على الحب، في التحليل النفسي، تعني القدرة على رؤية الآخر
ككائن مستقل، له رغباته وحدوده، وليس كمرآة تعكس الذات. نرجس لم يرَ الآخرين، لأنه
لم يحتج إليهم نفسيًا. العالم الخارجي كان بالنسبة له مجرد مسرح يُثبّت صورته.
وهذا ما نراه بوضوح عندما يرفض كل من يحبه. الرفض هنا ليس تعبيرًا عن الاكتفاء
الذاتي الصحي، بل عن خوف عميق من العلاقة. فالعلاقة الحقيقية تتطلب مخاطرة: أن
أُرى، لا كما أُحب أن أُرى، بل كما أنا. والنرجسية، في جوهرها، هي دفاع ضد هذا
الخطر.
لحظة رؤية نرجس لصورته في الماء تُعدّ لحظة محورية رمزيًا. الماء في
التحليل النفسي رمز للاوعي، وللعالم الداخلي غير المروّض. أن يرى صورته في بحيرة
هادئة يعني أنه واجه ذاته، ولكن ليس الذات العميقة، بل الصورة. الصورة هنا هي
“الأنا المثالية” Ideal Ego، تلك النسخة المتخيَّلة
من الذات التي نطمح أن نكونها، والتي نطلب من العالم أن يعشقها. نرجس لم يقع في حب
نفسه الحقيقية، بل في حب انعكاسها. وهذا فرق جوهري. فالحب الصحي للذات يتضمن قبول
النقص، الضعف، والتناقض، أما الحب النرجسي فهو افتتان بالصورة الخالية من العيوب.
المأساة تبدأ عندما يحاول نرجس الوصول إلى صورته. هنا يتجلى البعد
المرضي بوضوح. فالصورة ليست كيانًا يمكن امتلاكه أو الاندماج معه. إنها دائمًا
بعيدة، زلِقة، غير قابلة للإمساك. وهذا يشبه تمامًا التجربة الداخلية للنرجسي:
يسعى طوال حياته إلى الكمال، إلى الإعجاب المطلق، إلى الحب غير المشروط، لكنه لا
يصل أبدًا. كلما اقترب، تلاشت الصورة. كلما حصل على إعجاب، احتاج إلى المزيد. إنها
حلقة مفرغة من العطش النفسي.
اليأس الذي أصاب نرجس ليس ناتجًا عن عدم القدرة على الوصول إلى
المحبوب فحسب، بل عن انهيار الوهم. في التحليل النفسي، عندما ينهار الوهم النرجسي،
يحدث ما يُسمّى بـ “الجرح النرجسي”. هذا الجرح ليس حزنًا عاديًا، بل انهيارًا في
بنية الأنا نفسها. لأن الأنا النرجسية لم تُبنَ على أساس واقعي متين، بل على
انعكاسات خارجية. وعندما تتلاشى هذه الانعكاسات، لا يبقى شيء يستند إليه الفرد داخليًا.
نرجس، في هذه اللحظة، لم يخسر حبًا، بل خسر ذاته كما كان يتصورها.
موته في الأسطورة يُقرأ نفسيًا بوصفه “موتًا رمزيًا للأنا”. ليس
بالضرورة أن يُفهم حرفيًا كفعل انتحار، بل كفناء داخلي. كثير من الشخصيات النرجسية
لا تموت جسديًا، لكنها تعيش موتًا نفسيًا صامتًا: فراغ، اكتئاب، شعور بلا معنى، أو
تحوّل إلى قسوة وعدوانية. بعض المدارس التحليلية ترى أن النرجسية، في جوهرها،
قريبة جدًا من الاكتئاب، وأن الفرق بينهما هو اتجاه العدوان: في الاكتئاب يُوجَّه
العدوان إلى الداخل، وفي النرجسية يُنكر الضعف ويُسقَط على الخارج، لكن عند انهيار
الدفاعات، يظهر الاكتئاب العميق.
تحوّل دم نرجس إلى زهرة هو عنصر بالغ الأهمية رمزيًا. الزهرة جميلة،
لكنها ثابتة، صامتة، بلا وعي. وكأن الأسطورة تقول إن النرجسية، عندما تفشل في
التحول إلى علاقة حية، تتجمد في صورة جمالية ميتة. الزهرة لا تحب، لا تُحِب، بل
تُرى فقط. وهذا جوهر المأساة النرجسية: الوجود من أجل أن يُنظر إليه، لا من أجل أن
يعيش أو يتواصل. ومن هنا نفهم لماذا ارتبط اسم النرجس في الثقافة بالجمال البارد،
بالجمال الذي لا يمنح دفئًا.
من زاوية أعمق، يمكن قراءة القصة كتحذير نفسي مبكر من الخلط بين
الهوية والصورة. الهوية النفسية تُبنى عبر التفاعل، الإحباط، التقبّل، والخسارة.
أما الصورة فهي سطحية، قابلة للتكسر عند أول صدمة. نرجس لم يُطوّر “أنا” مرنة
قادرة على تحمل الإحباط، بل أنا متضخمة لكنها هشة. ولهذا لم يحتمل المسافة بينه
وبين صورته. هذه المسافة هي ما يسميه التحليل النفسي “الفرق بين الذات الواقعية
والذات المثالية”. وكلما كان هذا الفرق كبيرًا، زاد الألم.
الأسطورة أيضًا تسلّط الضوء على غياب الآخر. لا يوجد في القصة علاقة
حقيقية واحدة. الآخرون موجودون فقط كمعجبين مرفوضين. حتى الماء، الذي يعكس الصورة،
لا يدخل في علاقة، بل يظل سطحًا. وهذا يعكس فراغًا علائقيًا شديدًا. فالنرجسية
ليست حبًا زائدًا للذات بقدر ما هي عجز عن الارتباط. الشخص النرجسي، في العمق، لم
يتعلّم كيف يكون في علاقة آمنة، ربما لأن العلاقة الأولى في حياته كانت مشروطة:
“أنت محبوب لأنك جميل، لأنك مميز، لأنك تعكس ما نريده”. وهكذا يتعلم أن الحب ليس
احتواءً، بل تقييمًا.
من هذا المنطلق، تصبح قصة نرجس مرآة نفسية لكل إنسان يعيش أسر
الصورة، سواء كانت صورة الجمال، النجاح، القوة، أو المثالية الأخلاقية. كلما تعلق
الإنسان بصورة عن ذاته بدل أن يعيش ذاته، أصبح أقرب إلى مصير نرجس. الأسطورة لا
تتحدث عن شخص واحد، بل عن نزعة إنسانية عامة تتضخم في بعض الشخصيات حتى تتحول إلى
اضطراب.
في النهاية، التحليل النفسي لقصة نرجس يكشف أنها ليست قصة غرور سطحي،
بل مأساة نفسية عن ذات لم تُرَ يومًا كما هي، فبحثت عن نفسها في انعكاسها، وضاعت
بين الصورة والحقيقة. إنها قصة عن العطش للحب الذي لا يجد وعاءً داخليًا يحتمله،
وعن الجمال عندما يصبح قناعًا بدل أن يكون تعبيرًا، وعن الإنسان حين يفشل في
الانتقال من حب الصورة إلى حب العلاقة. ولهذا بقيت الأسطورة حيّة حتى اليوم، لأنها
تلمس جرحًا نفسيًا لا يزال حاضرًا في النفس البشرية، مهما تغيّرت الأزمنة والأشكال.
ليست كل الحكايات أساطير… بعضُها يروي ما نعيشه بصمت.
إن وجدتَ نفسك في قصة نرجس، فربما حان وقت أن ترى ذاتك بعيدًا عن الانعكاسات المؤلمة.
للاستشارة النفسية، تواصل معنا
Jakobaoe
اقرئي أيضًا: في عشق الانعكاس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق