الأحد، 8 فبراير 2026

إدمان القسوة والتعلق الصدمي

 

إدمان القسوة والتعلق الصدمي

لماذا نشتاق لمن آذانا؟ فهم إدمان القسوة والتعلق الصدمي

 شعور مربك وحقيقة مؤلمة

هل سبق لك أن وجدت نفسك تشتاق لشخص كان مصدر ألمك؟ هل شعرت بالحنين إلى علاقة كانت مليئة بالقسوة والإهانة؟ إذا كانت إجابتك "نعم"، فأنت لست وحدك، وما تشعر به ليس ضعفًا أو حبًا للأذى. إنه ظاهرة نفسية معقدة تُعرف بـ "إدمان القسوة الناتج عن التعلق الصدمي"، وهي فخ يبرع الأشخاص النرجسيون في استخدامه لضمان بقاء ضحاياهم معلقين بهم، حتى بعد انتهاء العلاقة.

الكيمياء العصبية وراء الألم: لماذا تُدمن القسوة؟

لفهم هذا الشعور، يجب أن نغوص في كيمياء الدماغ. العلاقة مع شخص مؤذٍ، خاصة النرجسي، لا تكون مؤذية طوال الوقت. إنها تتبع نمطًا متقلبًا من الإساءة والمكافأة، يُعرف بـ "التعزيز المتقطع" (Intermittent Reinforcement) . هذا المفهوم، الذي طوره عالم النفس السلوكي بي. إف. سكينر (B.F. Skinner)، يوضح كيف يمكن للمكافآت غير المتوقعة وغير المنتظمة أن تخلق سلوكًا إدمانيًا قويًا .

فترات الإساءة والتوتر: استجابة القتال أو الهروب

خلال لحظات القسوة، يفرز الجسم هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول. هذه الهرمونات تضع الجهاز العصبي في حالة تأهب دائم، أو ما يعرف باستجابة "القتال أو الهروب". يصبح الجسم "صاحيًا" ومشدودًا طوال الوقت.

قصة واقعية: "تذكرت سارة كيف كانت تشعر دائمًا بالتوتر والقلق عندما يكون شريكها غاضبًا. كانت تشعر وكأنها تمشي على قشر البيض، تنتظر الانفجار التالي. هذا الشعور بالخوف المستمر كان مرهقًا، لكنه أصبح جزءًا من روتينها اليومي."

فترات المكافأة والمودة (المصطنعة): جرعة الدوبامين

بعد الإساءة، قد يقدم الشخص المؤذي لفتة "لطيفة" أو يعود إلى مرحلة "شهر العسل" المليئة بالاهتمام. هذه اللحظات الإيجابية النادرة تطلق هرمون الدوبامين، وهو ناقل عصبي مرتبط بالمتعة والمكافأة.

قصة واقعية: "بعد شجار عنيف، كان أحمد يعتذر لشريكته بكلمات معسولة ويقدم لها الهدايا. كانت هذه اللحظات النادرة من اللطف كافية لجعلها تنسى الألم السابق وتتعلق به أكثر، متمنية أن تدوم هذه الفترة."

هذا التناوب بين الألم الشديد والراحة المؤقتة يخلق حلقة إدمانية قوية. يصبح الدماغ مدمنًا ليس على الشخص نفسه، بل على هذه الدورة الهرمونية المتطرفة. أنت لا تشتاق للشخص، بل تشتاق لجرعة الدوبامين التي كانت تأتي بعد الألم، ولحالة التأهب التي اعتاد عليها جهازك العصبي.

أعراض الانسحاب: عندما يصبح الهدوء مخيفًا

عندما تنتهي العلاقة، يختفي هذا التقلب الهرموني العنيف. الهدوء الذي يلي العاصفة لا يكون مريحًا، بل يصبح مخيفًا. يدخل الجسم في حالة انسحاب حقيقية، تشبه تمامًا أعراض انسحاب مدمن المخدرات، ولكن بدون مادة كيميائية خارجية.

الفراغ المؤلم: تشعر بفراغ كبير لأن جهازك العصبي لم يعد يتلقى التحفيز الشديد الذي اعتاد عليه.

الحنين للألم: قد تجد نفسك "تشتاق" للمشاجرات أو الدراما، لأنها كانت "لغة" العلاقة والشعور الوحيد الذي يجعلك تحس بأنك "موجود".

رفض العلاقات الصحية: قد تبدو لك العلاقات الهادئة والمحترمة "باردة" أو "مملة"، لأن دماغك ربط الشعور بالأمان والحب بالقسوة والتوتر.

التعلق الصدمي: عندما يرتبط الأمان بالخطر

هذا الإدمان هو نتيجة مباشرة لما يسمى بـ "التعلق الصدمي" (Trauma Bonding) . وهو رابط عاطفي قوي يتشكل بين الضحية والمعتدي في سياق دورة الإساءة. وقد وصفته عالمة النفس جوديث هيرمان (Judith Herman) في كتابها المؤثر "الصدمة والتعافي" (Trauma and Recovery) بأنه شكل من أشكال الارتباط الذي يتطور في سياقات الإساءة، حيث يخلط الضحايا بين اللحظات النادرة من اللطف والحب الحقيقي .

باتريك كارنز (Patrick Carnes)، وهو خبير آخر في مجال الإدمان والصدمات، يصف التعلق الصدمي بأنه "ارتباط غير صحي يتطور بين شخصين في علاقة مسيئة، حيث يتم الخلط بين الخوف والإثارة والاعتماد على الحب" . هذا الرابط يجعل من الصعب جدًا على الضحية المغادرة، وحتى لو غادرت، فإنها تشعر بولاء غير منطقي تجاه من آذاها.

قصة واقعية: "بعد سنوات من العلاقة المسيئة، وجدت ليلى نفسها تدافع عن شريكها السابق أمام أصدقائها وعائلتها، على الرغم من كل الألم الذي سببه لها. كانت تشعر بالذنب تجاه تركه، وكأنها خانت شخصًا كان يعتمد عليها."

خطوات نحو الشفاء: كيف تكسر الحلقة؟

الشفاء ممكن، لكنه يتطلب وعيًا وصبرًا. الخطوة الأولى هي الفهم: ما تشعر به طبيعي، لكنه ليس صحيًا ولا يجب أن يستمر.

1.التثقيف وزيادة الوعي: اقرأ وشاهد فيديوهات عن النرجسية والتعلق الصدمي. فهم ما مررت به يزيل اللوم عن نفسك ويمنحك القوة.

2.قطع الاتصال التام: أصعب خطوة لكنها الأهم. كل تواصل مع الشخص المؤذي يعيد تنشيط حلقة الإدمان في دماغك.

3.اطلب الدعم: تحدث مع أصدقاء موثوقين، أفراد من العائلة، أو متخصص في الصحة النفسية. وجود شبكة دعم أمر حاسم للتعافي.

4.إعادة برمجة الدماغ: انخرط في أنشطة صحية تفرز الدوبامين بشكل طبيعي: الرياضة، الهوايات، قضاء الوقت في الطبيعة، تحقيق إنجازات صغيرة.

5.تعلم حب الذات والرحمة: الشفاء رحلة. ستكون هناك أيام صعبة. كن لطيفًا مع نفسك وتذكر أن الحب الحقيقي لا يؤذي، والأمان لا يهين، والقرب لا يكسر.

أنت تستحق الأفضل

الخروج من دائرة إدمان القسوة هو بمثابة استعادة حياتك. قد تكون الرحلة طويلة، لكن في نهايتها ستجد السلام الذي تستحقه وعلاقات مبنية على الاحترام المتبادل والأمان الحقيقي. تذكر دائمًا: أنت أقوى من ألمك، والشفاء ليس ممكنًا فحسب، بل هو حقك.

Jakobaoe



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

استعادة الكرامة بعد العلاقة النرجسية ....

  حبّ الذات ليس أنانية حبّ الذات ليس أنانية… بل استعادة للكرامة بعد علاقة نرجسية يُثير مفهوم «حبّ الذات» لدى ضحايا العلاقات النرجسية شعورً...