الثلاثاء، 10 فبراير 2026

استعادة الكرامة بعد العلاقة النرجسية ....

 

حبّ الذات ليس أنانية


حبّ الذات ليس أنانية… بل استعادة للكرامة بعد علاقة نرجسية

يُثير مفهوم «حبّ الذات» لدى ضحايا العلاقات النرجسية شعورًا داخليًا متناقضًا؛ فبدل أن يُستقبل كفكرة علاجية أو مدخل للشفاء، غالبًا ما يُقابل بالذنب والخوف والارتباك. يعود ذلك إلى أن الضحية لا تتعامل مع هذا المفهوم من فراغ، بل من داخل تجربة طويلة تم فيها تشويه علاقتها بنفسها بشكل منهجي. في العلاقة النرجسية، لا يُسمح للضحية بالاهتمام بذاتها دون أن تُتَّهم بالأنانية، ولا بوضع حدود دون أن تُوصَف بالقسوة، ولا بالتعبير عن ألمها دون أن تُتَّهَم بالمبالغة أو الحساسية الزائدة. ومع مرور الوقت، يتحول حب الذات في وعي الضحية إلى فكرة مرفوضة أخلاقيًا، وكأن العناية بالنفس خيانة للعلاقة أو تهديد لاستقرارها.

من منظور علم النفس الأكاديمي، لا يُفهم حب الذات بوصفه تمركزًا حول الأنا أو تعظيمًا للذات على حساب الآخرين، بل بوصفه ممارسة نفسية واعية تُعرف بمفاهيم أكثر دقة مثل «الشفقة بالذات» أو «القبول غير المشروط للذات». الشفقة بالذات، كما تشرحها كريستين نيف، تعني أن يتعامل الإنسان مع نفسه في لحظات الفشل والألم بنفس اللطف الذي يمنحه للآخرين، وأن يدرك أن المعاناة ليست دليل ضعف شخصي بل جزء من التجربة الإنسانية المشتركة. هذا الفهم يتعارض جذريًا مع ما عاشه ضحايا النرجسيين، حيث تم تعليمهم – صراحة أو ضمنيًا – أن قيمتهم مشروطة، وأن الخطأ غير مسموح، وأن الألم يجب كتمانه كي لا يُزعج الطرف الآخر.

حب الذات الصحيالنرجسية المرضية
قبول العيوب   إنكارها
تعاطف مع الذات والآخراستغلال واستعلاء
استقرار داخليهشاشة وانفجار عند النقد
استقلال عن التقييم الخارجيإدمان المديح

أكد إريك فروم في كتابه «فن الحب» أن حب الذات وحب الآخرين ليسا متناقضين، بل إن العجز عن حب الذات هو ما ينتج علاقات قائمة على التبعية والاستغلال. أما كارل روجرز، فقد أشار إلى المفارقة العلاجية العميقة التي تقول إن قبول الإنسان لنفسه كما هي هو نقطة البداية الحقيقية لأي تغيير نفسي. بالنسبة لضحايا النرجسية، تُعد هذه الفكرة ثورية، لأنها تنسف منطق العلاقة النرجسية القائم على «تغيّري أولًا كي تستحقي القبول». في هذا السياق، يصبح حب الذات ليس تحسينًا للصورة أو بحثًا عن المثالية، بل اعترافًا بالإنسانية والحدود والاحتياجات.

أحد أخطر أشكال التشويه التي يتعرض لها الضحايا هو الخلط بين حب الذات والنرجسية. علميًا، تُعد النرجسية المرضية فشلًا في حب الذات الحقيقي، لأنها تقوم على تقدير ذات هش يعتمد كليًا على الإعجاب الخارجي والتفوق الوهمي. النرجسي لا يتقبل عيوبه، بل ينكرها أو يُسقطها على الآخرين، ولا يتحمل النقد، بل يرد عليه بالغضب أو الإهانة أو لوم الطرف المقابل. في المقابل، ينبع حب الذات الصحي من القبول، ويُنتج استقرارًا داخليًا يقلل من الحاجة إلى السيطرة أو إثبات التفوق. تشير أبحاث كريستين نيف بوضوح إلى أن الشفقة بالذات ترتبط ارتباطًا سلبيًا بالنرجسية؛ فكلما زاد قبول الإنسان لنفسه كبشر، قلّ احتياجه إلى تضخيم ذاته على حساب الآخرين.

من الزاوية السوسيولوجية، لا يمكن فصل تجربة الضحية عن السياق الاجتماعي الذي يحيط بها. في مجتمعات تمجّد التضحية، خاصة لدى النساء، وتربط القيمة بالصبر والتحمّل، يُنظر إلى أي محاولة لاستعادة الذات على أنها تهديد للبنية الأسرية أو خروج عن الأدوار المتوقعة. هذا الضغط الاجتماعي يُبقي الضحية عالقة بين ألم العلاقة وخوف الوصم، ويجعل حب الذات يبدو كفعل أناني أو مرفوض أخلاقيًا. تشير جين توينجي في دراساتها حول «وباء النرجسية» إلى أن الخلط التاريخي بين تقدير الذات والتميّز ساهم في تشويه المفاهيم النفسية، لكن في العلاقات النرجسية يحدث العكس تمامًا؛ حيث يتم سحق تقدير الذات ومنع الضحية حتى من التفكير في احتياجاتها الخاصة.

تُظهر الدراسات الحديثة أن الأفراد الذين يطوّرون شفقة صحية بالذات بعد التعرض لعلاقات نرجسية يعانون من مستويات أقل من القلق والاكتئاب، ويتمتعون بمرونة نفسية أعلى وقدرة أوضح على وضع الحدود وبناء علاقات أكثر توازنًا لاحقًا. ذلك لأن حب الذات يفك الارتباط المرضي بين القيمة الشخصية ورضا الآخر، ويعيد بناء الهوية الفردية التي تم تآكلها تدريجيًا داخل العلاقة. بالنسبة للضحية، لا يعني حب الذات الانسحاب من العالم أو رفض الآخرين، بل الخروج من موقع الدفاع الدائم إلى موقع الاختيار الواعي.

في النهاية، يمكن القول إن حب الذات، بالمعنى العلمي والإنساني، ليس سببًا للنرجسية بل علاجًا لها. النرجسي يحتاج الآخر ضعيفًا، مشككًا في نفسه، خائفًا من خسارته، بينما حب الذات يعيد للإنسان حقه في أن يكون بشرًا لا مشروعًا للإصلاح الدائم. الطريق إلى التعافي لا يمر عبر محاولة أن نكون «أفضل» أو «أكثر صبرًا»، بل عبر قبول حقيقتنا وحدودنا واستعادة كرامتنا النفسية.

وإذا كنتِ تقرئين هذا المقال وشعرتِ أنه يلامس تجربتكِ الشخصية، فذلك لأن ما مررتِ به حقيقي وله تفسير علمي ونفسي واضح. التعافي من العلاقة النرجسية لا يقتصر على الفهم النظري، بل يحتاج إلى دعم ومرافقة متخصصة تساعدك على تفكيك الذنب، إعادة بناء الحدود، واستعادة الثقة بنفسك دون قسوة أو جلد ذات.
للاستشارات النفسية والدعم المتخصص لضحايا العلاقات النرجسية، يمكنكِ التواصل معنا مباشرة. اختيارك لنفسك ليس أنانية، بل بداية الشفاء.


 

الأحد، 8 فبراير 2026

إدمان القسوة والتعلق الصدمي

 

إدمان القسوة والتعلق الصدمي

لماذا نشتاق لمن آذانا؟ فهم إدمان القسوة والتعلق الصدمي

 شعور مربك وحقيقة مؤلمة

هل سبق لك أن وجدت نفسك تشتاق لشخص كان مصدر ألمك؟ هل شعرت بالحنين إلى علاقة كانت مليئة بالقسوة والإهانة؟ إذا كانت إجابتك "نعم"، فأنت لست وحدك، وما تشعر به ليس ضعفًا أو حبًا للأذى. إنه ظاهرة نفسية معقدة تُعرف بـ "إدمان القسوة الناتج عن التعلق الصدمي"، وهي فخ يبرع الأشخاص النرجسيون في استخدامه لضمان بقاء ضحاياهم معلقين بهم، حتى بعد انتهاء العلاقة.

الكيمياء العصبية وراء الألم: لماذا تُدمن القسوة؟

لفهم هذا الشعور، يجب أن نغوص في كيمياء الدماغ. العلاقة مع شخص مؤذٍ، خاصة النرجسي، لا تكون مؤذية طوال الوقت. إنها تتبع نمطًا متقلبًا من الإساءة والمكافأة، يُعرف بـ "التعزيز المتقطع" (Intermittent Reinforcement) . هذا المفهوم، الذي طوره عالم النفس السلوكي بي. إف. سكينر (B.F. Skinner)، يوضح كيف يمكن للمكافآت غير المتوقعة وغير المنتظمة أن تخلق سلوكًا إدمانيًا قويًا .

فترات الإساءة والتوتر: استجابة القتال أو الهروب

خلال لحظات القسوة، يفرز الجسم هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول. هذه الهرمونات تضع الجهاز العصبي في حالة تأهب دائم، أو ما يعرف باستجابة "القتال أو الهروب". يصبح الجسم "صاحيًا" ومشدودًا طوال الوقت.

قصة واقعية: "تذكرت سارة كيف كانت تشعر دائمًا بالتوتر والقلق عندما يكون شريكها غاضبًا. كانت تشعر وكأنها تمشي على قشر البيض، تنتظر الانفجار التالي. هذا الشعور بالخوف المستمر كان مرهقًا، لكنه أصبح جزءًا من روتينها اليومي."

فترات المكافأة والمودة (المصطنعة): جرعة الدوبامين

بعد الإساءة، قد يقدم الشخص المؤذي لفتة "لطيفة" أو يعود إلى مرحلة "شهر العسل" المليئة بالاهتمام. هذه اللحظات الإيجابية النادرة تطلق هرمون الدوبامين، وهو ناقل عصبي مرتبط بالمتعة والمكافأة.

قصة واقعية: "بعد شجار عنيف، كان أحمد يعتذر لشريكته بكلمات معسولة ويقدم لها الهدايا. كانت هذه اللحظات النادرة من اللطف كافية لجعلها تنسى الألم السابق وتتعلق به أكثر، متمنية أن تدوم هذه الفترة."

هذا التناوب بين الألم الشديد والراحة المؤقتة يخلق حلقة إدمانية قوية. يصبح الدماغ مدمنًا ليس على الشخص نفسه، بل على هذه الدورة الهرمونية المتطرفة. أنت لا تشتاق للشخص، بل تشتاق لجرعة الدوبامين التي كانت تأتي بعد الألم، ولحالة التأهب التي اعتاد عليها جهازك العصبي.

أعراض الانسحاب: عندما يصبح الهدوء مخيفًا

عندما تنتهي العلاقة، يختفي هذا التقلب الهرموني العنيف. الهدوء الذي يلي العاصفة لا يكون مريحًا، بل يصبح مخيفًا. يدخل الجسم في حالة انسحاب حقيقية، تشبه تمامًا أعراض انسحاب مدمن المخدرات، ولكن بدون مادة كيميائية خارجية.

الفراغ المؤلم: تشعر بفراغ كبير لأن جهازك العصبي لم يعد يتلقى التحفيز الشديد الذي اعتاد عليه.

الحنين للألم: قد تجد نفسك "تشتاق" للمشاجرات أو الدراما، لأنها كانت "لغة" العلاقة والشعور الوحيد الذي يجعلك تحس بأنك "موجود".

رفض العلاقات الصحية: قد تبدو لك العلاقات الهادئة والمحترمة "باردة" أو "مملة"، لأن دماغك ربط الشعور بالأمان والحب بالقسوة والتوتر.

التعلق الصدمي: عندما يرتبط الأمان بالخطر

هذا الإدمان هو نتيجة مباشرة لما يسمى بـ "التعلق الصدمي" (Trauma Bonding) . وهو رابط عاطفي قوي يتشكل بين الضحية والمعتدي في سياق دورة الإساءة. وقد وصفته عالمة النفس جوديث هيرمان (Judith Herman) في كتابها المؤثر "الصدمة والتعافي" (Trauma and Recovery) بأنه شكل من أشكال الارتباط الذي يتطور في سياقات الإساءة، حيث يخلط الضحايا بين اللحظات النادرة من اللطف والحب الحقيقي .

باتريك كارنز (Patrick Carnes)، وهو خبير آخر في مجال الإدمان والصدمات، يصف التعلق الصدمي بأنه "ارتباط غير صحي يتطور بين شخصين في علاقة مسيئة، حيث يتم الخلط بين الخوف والإثارة والاعتماد على الحب" . هذا الرابط يجعل من الصعب جدًا على الضحية المغادرة، وحتى لو غادرت، فإنها تشعر بولاء غير منطقي تجاه من آذاها.

قصة واقعية: "بعد سنوات من العلاقة المسيئة، وجدت ليلى نفسها تدافع عن شريكها السابق أمام أصدقائها وعائلتها، على الرغم من كل الألم الذي سببه لها. كانت تشعر بالذنب تجاه تركه، وكأنها خانت شخصًا كان يعتمد عليها."

خطوات نحو الشفاء: كيف تكسر الحلقة؟

الشفاء ممكن، لكنه يتطلب وعيًا وصبرًا. الخطوة الأولى هي الفهم: ما تشعر به طبيعي، لكنه ليس صحيًا ولا يجب أن يستمر.

1.التثقيف وزيادة الوعي: اقرأ وشاهد فيديوهات عن النرجسية والتعلق الصدمي. فهم ما مررت به يزيل اللوم عن نفسك ويمنحك القوة.

2.قطع الاتصال التام: أصعب خطوة لكنها الأهم. كل تواصل مع الشخص المؤذي يعيد تنشيط حلقة الإدمان في دماغك.

3.اطلب الدعم: تحدث مع أصدقاء موثوقين، أفراد من العائلة، أو متخصص في الصحة النفسية. وجود شبكة دعم أمر حاسم للتعافي.

4.إعادة برمجة الدماغ: انخرط في أنشطة صحية تفرز الدوبامين بشكل طبيعي: الرياضة، الهوايات، قضاء الوقت في الطبيعة، تحقيق إنجازات صغيرة.

5.تعلم حب الذات والرحمة: الشفاء رحلة. ستكون هناك أيام صعبة. كن لطيفًا مع نفسك وتذكر أن الحب الحقيقي لا يؤذي، والأمان لا يهين، والقرب لا يكسر.

أنت تستحق الأفضل

الخروج من دائرة إدمان القسوة هو بمثابة استعادة حياتك. قد تكون الرحلة طويلة، لكن في نهايتها ستجد السلام الذي تستحقه وعلاقات مبنية على الاحترام المتبادل والأمان الحقيقي. تذكر دائمًا: أنت أقوى من ألمك، والشفاء ليس ممكنًا فحسب، بل هو حقك.

Jakobaoe



الجمعة، 6 فبراير 2026

تحت رماد النرجسية

 

تحت رماد النرجسية


كانت "سلمى" كزهرة ربيعية تتفتح، تملأ الحياة بهجةً وجمالاً. حين التقت بـ"فارس"، رأت فيه الأمير الذي طالما حلمت به؛  ساحر الكلمات، آسر القلوب، يمتلك كاريزما طاغية تجذب الأنظار. لم تكن تعلم أن خلف هذا القناع البراق يختبئ وحش النرجسية الذي سيلتهم روحها ببطء وقسوة.

 

بدأت الحياة الزوجية كحلم وردي، ولكن سرعان ما تبددت الألوان الزاهية لتكشف عن سواد قاتم. كان فارس يرى سلمى امتداداً لذاته، مرآة تعكس عظمته المزعومة. كل إنجاز لها كان ينسبه لنفسه، وكل فشل كان يلقيه على عاتقها. كانت كلماته كسهام مسمومة، تتسلل إلى أعماق روحها، تزرع الشك في قدراتها، وتهز ثقتها بنفسها. "أنتِ لا تفهمين شيئاً"، "بدوني لا تساوي شيئاً"، "أنتِ محظوظة بوجودي في حياتك"... عبارات تكررت حتى أصبحت نشيداً يومياً يتردد في أذنيها.

 

تحولت سلمى من امرأة واثقة ومشرقة إلى ظل باهت لذاتها. انعزلت عن صديقاتها وعائلتها، ففارس كان يتقن فن العزل، مصوراً إياهم كأعداء يغارون من سعادتهما. أصبحت حياتها تدور في فلكه، كل قرار، كل حركة، كل نفس كان يجب أن يرضيه. كانت تحاول جاهدة أن تكون الزوجة المثالية التي يطلبها، ولكن معاييره كانت تتغير باستمرار، كسراب لا يمكن الوصول إليه. كلما اقتربت، ابتعد الهدف، تاركاً إياها منهكة، محطمة.

 

كانت لحظات الحب والاهتمام نادرة، أشبه بومضات برق في ليل دامس، تتبعها عواصف من التجاهل والإهانة. كان يتقن فن التلاعب، يجعلها تشعر بالذنب حتى عندما يكون هو المخطئ. كانت تتوسل إليه أن يراها، أن يسمعها، أن يشعر بها، ولكن عيناه كانت فارغتين، لا ترى سوى انعكاسه، وأذنيه صماء لا تسمع سوى صدى صوته.

 

تراكمت الجروح، وتآكلت الروح. أصبحت سلمى تعيش في سجن نفسي، جدرانه مبنية من الخوف واليأس. فقدت شهيتها للحياة، وأصبحت عيناها تحملان حزناً عميقاً لا يمكن إخفاؤه. كانت تنظر إلى المرآة فلا تتعرف على نفسها؛ تلك المرأة المبتسمة التي كانت، اختفت تحت ركام من الألم والقهر. وصلت إلى مرحلة الانكسار، حيث لم يعد لديها القدرة على المقاومة، أو حتى البكاء. أصبحت كدمية خاوية، تتحرك بلا روح، تنتظر النهاية التي لا تعلم متى ستأتي.

 

في تلك اللحظة، عندما شعرت أن كل شيء قد انتهى، وأنها فقدت نفسها تماماً، لمع بصيص أمل خافت. هل تستسلم لهذا المصير؟ أم تحاول أن تجد القوة الخفية بداخلها لتنتفض من تحت رماد النرجسية؟ كان القرار صعباً، ولكن صوت خافت في أعماقها يهمس: "هذه ليست نهايتك يا سلمى، هذه بداية جديدة."

 بصيص أمل من الظلام في أحلك لحظات يأسها، عندما كانت روحها تتلاشى تحت وطأة النرجسية، تذكرت سلمى حديثاً عابراً مع صديقة قديمة عن فريق Jakobaoe للدعم النفسي.

 كان مجرد اسم، ولكن في تلك اللحظة بدا وكأنه طوق نجاة ألقي إليها من بعيد. بجمع ما تبقى لها من قوة، وبيد مرتعشة، تواصلت معهم. لم تكن تتوقع الكثير، فقد فقدت الأمل في كل شيء، ولكن صوت المستشارة الدافئ على الهاتف كان كبلسم شفى جزءاً صغيراً من جروحها المتراكمة.

رحلة التعافي مع كان فريق Jakobaoe بمثابة النور الذي اخترق عتمة حياتها. لم يقدموا لها مجرد نصائح، بل وضعوا خطة تعافٍ شاملة ومصممة خصيصاً لحالتها، ترتكز على ثلاثة محاور أساسية:

الوعي والفهم: في البداية، ساعدوها على فهم طبيعة العلاقة النرجسية، وكيف أن سلوك فارس لم يكن خطأها، بل اضطراباً نفسياً يعاني منه. هذا الفهم كان بمثابة تحرير لها من قيود الشعور بالذنب والعار التي كبلتها لسنوات. تعلمت أن تتعرف على أنماط التلاعب النرجسي، وكيفية حماية نفسها منها..

إعادة بناء الذات: ركزت الخطة على استعادة سلمى لذاتها المفقودة. شجعوها على استكشاف هواياتها القديمة، والتواصل مع أصدقائها وعائلتها الذين أبعدها فارس عنهم. بدأت بجلسات علاج فردي وجماعي، حيث وجدت مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرها، والاستماع إلى قصص أخرى مشابهة، مما خفف عنها عبء الوحدة. كانت كل خطوة، مهما بدت صغيرة، انتصاراً على الماضي..

وضع الحدود واتخاذ القرار: كانت هذه المرحلة هي الأصعب والأكثر حسمًا. ساعدها الفريق على تعلم كيفية وضع حدود واضحة مع فارس، وكيفية التعامل مع محاولاته المستمرة للتلاعب بها. مع كل جلسة، كانت سلمى تستعيد جزءاً من قوتها المفقودة، وتدرك أن استمرارها في هذه العلاقة يعني استمرار تدميرها لذاتها. 

اتخذت قراراً مصيرياً، قراراً لم تكن لتجرؤ عليه من قبل: الانفصال.

فجر جديد لم تكن رحلة الانفصال سهلة، فقد واجهت مقاومة شرسة من فارس، الذي لم يتقبل فكرة فقدان سيطرته. لكن سلمى، المدعومة بفريق Jakobaoe وبقوتها الداخلية المستعادة، صمدت. كانت كل دمعة تسقط منها في تلك الفترة تطهر روحها من سموم الماضي، وكل خطوة تخطوها نحو الاستقلال كانت تعيد إليها جزءاً من كرامتها.

مع مرور الوقت، بدأت ليلى تعيد برمجة حياتها. عادت إلى عملها بشغف متجدد، وأصبحت تقضي وقتاً أطول مع أحبائها. استعادت ضحكتها، وبريق عينيها. لم تنسَ الألم، ولكنه لم يعد يسيطر عليها. أصبح مجرد ذكرى مؤلمة، تذكرها بقوتها وقدرتها على التغلب على المحن. 

أصبحت سلمى، بعد أن كانت ضحية، قصة نجاح، ملهمة لكل من يجد نفسه تحت رماد النرجسية، بأن هناك دائماً بصيص أمل، وأن التعافي ممكن، وأن الحياة تستحق أن تعاش بكرامة وحب.

ليس كل طريق للتعافي ينتهي بالانفصال.
أحيانًا تكون النهاية هي استعادة نفسك،
وضع حدود،
وفهم ما يحدث دون إنكار أو تبرير.
بعض النساء يغيّرن حياتهنّ دون أن يغادرن العلاقة.

jakobaoe

إذا شعرتِ أن هذه القصة تشبهك، فلا تتجاهلي الإشارة.
الدعم ليس ضعفًا، بل وعي.
يمكنك الآن حجز استشارة أو الانضمام إلى مجموعة Jakobaoe،
حيث الفهم الحقيقي، والدعم الآمن، والخطوات الواضحة لاستعادة نفسك.
القرار بيدك… لكنك لستِ مضطرة أن تمشي هذا الطريق وحدك.

الأحد، 1 فبراير 2026

حين يُترك القلب وحيدًا


المراهقات بين الفراغ العاطفي والاستغلال النرجسي

في السنوات الأخيرة، وبحكم عملي واختصاصي، استمعتُ إلى عدد كبير من القصص التي تُثقل القلب حزنًا، وتكشف عن واقع مؤلم تعيشه فتيات في عمر المراهقة، وجدن أنفسهنّ ضحايا لأشخاص استغلّوا ضعفهنّ، وتلاعبوا بمشاعرهنّ، مستخدمين الكذب، والتلاعب العاطفي، وسمات الشخصية النرجسية كوسيلة للسيطرة والإيذاء النفسي.

المؤلم في هذه القصص ليس فقط ما تعرّضت له الفتيات، بل الأسباب العميقة التي قادتهنّ إلى هذا المصير، وعلى رأسها غياب الاحتواء الأسري، وضعف الدعم العاطفي، وقلة الحوار، وأحيانًا الإهمال التربوي غير المقصود.

الابن أو الابنة أمانة، مسؤولية أخلاقية ونفسية قبل أن تكون بيولوجية أو اجتماعية. حين يكبر الطفل دون أن يجد في بيته مساحة آمنة للتعبير، أو حضنًا يسمع دون حكم، أو قلبًا يفهم دون تقليل، فإنه سيبحث عن هذا الأمان في الخارج، وغالبًا في المكان الخطأ، ومع الشخص الخطأ.

إحدى القصص التي تتكرر كثيرًا هي قصة فتاة في السادسة عشرة من عمرها، لم تكن تبحث عن علاقة، بل عن من يسمعها. تعرّفت إلى شخص أكبر منها، أغرقها بالكلام المعسول، وأوهمها بأنها “مميّزة” و“مختلفة”، بينما كان في الحقيقة يستغل حاجتها للاهتمام، ويعيد تشكيل وعيها تدريجيًا لتتنازل عن حدودها، وتشكّك في ذاتها، وتظن أن قبول الأذى هو ثمن الحب. لم تكن هذه الفتاة ضعيفة العقل، بل كانت جائعة عاطفيًا.

وقصة أخرى لفتاة نشأت في بيت يوفّر كل شيء ماديًا، لكنه يفتقر إلى الدفء. لم يكن يُسمح لها بالخطأ، ولا بالتعبير، ولا حتى بالبكاء. حين دخل شخص نرجسي حياتها، قدّم لها ما افتقدته: الإصغاء، الإعجاب، الإحساس بأنها مرئية. لم تنتبه إلا بعد وقت طويل أنها أصبحت عالقة في علاقة تستنزفها نفسيًا، وتُفقدها احترامها لذاتها.

هذه القصص ليست استثناءً، بل نماذج متكررة لواقع يجب التوقف عنده بوعي ومسؤولية. فالمراهقة مرحلة حسّاسة، تتشكّل فيها الهوية، وتكون فيها المشاعر في ذروتها، والعقل ما زال في طور النضج. وهنا يأتي دور الأهل، ليس بالرقابة القاسية، ولا بالمنع الأعمى، بل بالاحتواء، والحوار، وبناء الثقة، وتعليم الأبناء معنى الحدود الصحية، والفرق بين الاهتمام الحقيقي والتلاعب.

وإلى كل أب وأم: ابنتك، ابنك، ليسا ملكًا لكما، بل أمانة بين أيديكم. إن كانت لديك جوهرة ثمينة، هل تتركها في أي مكان؟ أم تحرص عليها، وتحميها، وتضعها في موضع يليق بقيمتها؟ كذلك قلب ابنك أو ابنتك. القلب جوهرة، والمشاعر كنز، ومن الخطأ أن تُمنح لمن لا يستحقها أو لا يعرف قيمتها.

وإلى كل فتاة تقرأ هذه الكلمات: أنتِ قيمة، وجودك ليس مشروطًا بقبول أحد، ولا بحب شخص، ولا بإرضاء الآخر على حساب نفسك. لا تسمحي لأحد أن يتجاوز حدودك، أو يستغل طيبتك، أو يعبث بمشاعرك تحت مسمّى الحب. من يحبك حقًا، يحترمك، يصونك، ويمنحك الأمان لا الخوف، والطمأنينة لا القلق.

احفظي قلبك، كما تُحفظ الجواهر النفيسة، لا بقلق، بل بوعي. انتظري من يستحق مشاعرك، من يأتيكِ بوضوح لا بألعاب، بصدق لا بكذب، وبمسؤولية لا باستغلال. فالشخص المناسب لا يسرق منك نفسك، بل يساعدك على أن تكوني أكثر قربًا منها.

هذا الخطاب ليس تخويفًا، بل دعوة للوعي. وليس اتهامًا، بل تحمّلًا للمسؤولية. لأن حماية أبنائنا وبناتنا تبدأ من البيت، وتستمر بالتربية، وتنضج بالحب الواعي، لا الحب الأعمى.


استعادة الكرامة بعد العلاقة النرجسية ....

  حبّ الذات ليس أنانية حبّ الذات ليس أنانية… بل استعادة للكرامة بعد علاقة نرجسية يُثير مفهوم «حبّ الذات» لدى ضحايا العلاقات النرجسية شعورً...