حبّ الذات ليس أنانية… بل استعادة
للكرامة بعد علاقة نرجسية
يُثير مفهوم «حبّ الذات» لدى ضحايا العلاقات النرجسية شعورًا داخليًا
متناقضًا؛ فبدل أن يُستقبل كفكرة علاجية أو مدخل للشفاء، غالبًا ما يُقابل بالذنب
والخوف والارتباك. يعود ذلك إلى أن الضحية لا تتعامل مع هذا المفهوم من فراغ، بل
من داخل تجربة طويلة تم فيها تشويه علاقتها بنفسها بشكل منهجي. في العلاقة
النرجسية، لا يُسمح للضحية بالاهتمام بذاتها دون أن تُتَّهم بالأنانية، ولا بوضع
حدود دون أن تُوصَف بالقسوة، ولا بالتعبير عن ألمها دون أن تُتَّهَم بالمبالغة أو
الحساسية الزائدة. ومع مرور الوقت، يتحول حب الذات في وعي الضحية إلى فكرة مرفوضة
أخلاقيًا، وكأن العناية بالنفس خيانة للعلاقة أو تهديد لاستقرارها.
من منظور علم النفس الأكاديمي، لا يُفهم حب الذات بوصفه تمركزًا حول
الأنا أو تعظيمًا للذات على حساب الآخرين، بل بوصفه ممارسة نفسية واعية تُعرف
بمفاهيم أكثر دقة مثل «الشفقة بالذات» أو «القبول غير المشروط للذات». الشفقة
بالذات، كما تشرحها كريستين نيف، تعني أن يتعامل الإنسان مع نفسه في لحظات الفشل
والألم بنفس اللطف الذي يمنحه للآخرين، وأن يدرك أن المعاناة ليست دليل ضعف شخصي
بل جزء من التجربة الإنسانية المشتركة. هذا الفهم يتعارض جذريًا مع ما عاشه ضحايا
النرجسيين، حيث تم تعليمهم – صراحة أو ضمنيًا – أن قيمتهم مشروطة، وأن الخطأ غير
مسموح، وأن الألم يجب كتمانه كي لا يُزعج الطرف الآخر.
| حب الذات الصحي | النرجسية المرضية |
|---|---|
| قبول العيوب | إنكارها |
| تعاطف مع الذات والآخر | استغلال واستعلاء |
| استقرار داخلي | هشاشة وانفجار عند النقد |
| استقلال عن التقييم الخارجي | إدمان المديح |
أكد إريك فروم في كتابه «فن الحب» أن حب الذات وحب الآخرين ليسا
متناقضين، بل إن العجز عن حب الذات هو ما ينتج علاقات قائمة على التبعية
والاستغلال. أما كارل روجرز، فقد أشار إلى المفارقة العلاجية العميقة التي تقول إن
قبول الإنسان لنفسه كما هي هو نقطة البداية الحقيقية لأي تغيير نفسي. بالنسبة
لضحايا النرجسية، تُعد هذه الفكرة ثورية، لأنها تنسف منطق العلاقة النرجسية القائم
على «تغيّري أولًا كي تستحقي القبول». في هذا السياق، يصبح حب الذات ليس تحسينًا
للصورة أو بحثًا عن المثالية، بل اعترافًا بالإنسانية والحدود والاحتياجات.
أحد أخطر أشكال التشويه التي يتعرض لها الضحايا هو الخلط بين حب
الذات والنرجسية. علميًا، تُعد النرجسية المرضية فشلًا في حب الذات الحقيقي، لأنها
تقوم على تقدير ذات هش يعتمد كليًا على الإعجاب الخارجي والتفوق الوهمي. النرجسي
لا يتقبل عيوبه، بل ينكرها أو يُسقطها على الآخرين، ولا يتحمل النقد، بل يرد عليه
بالغضب أو الإهانة أو لوم الطرف المقابل. في المقابل، ينبع حب الذات الصحي من
القبول، ويُنتج استقرارًا داخليًا يقلل من الحاجة إلى السيطرة أو إثبات التفوق.
تشير أبحاث كريستين نيف بوضوح إلى أن الشفقة بالذات ترتبط ارتباطًا سلبيًا
بالنرجسية؛ فكلما زاد قبول الإنسان لنفسه كبشر، قلّ احتياجه إلى تضخيم ذاته على
حساب الآخرين.
من الزاوية السوسيولوجية، لا يمكن فصل تجربة الضحية عن السياق
الاجتماعي الذي يحيط بها. في مجتمعات تمجّد التضحية، خاصة لدى النساء، وتربط
القيمة بالصبر والتحمّل، يُنظر إلى أي محاولة لاستعادة الذات على أنها تهديد
للبنية الأسرية أو خروج عن الأدوار المتوقعة. هذا الضغط الاجتماعي يُبقي الضحية
عالقة بين ألم العلاقة وخوف الوصم، ويجعل حب الذات يبدو كفعل أناني أو مرفوض أخلاقيًا.
تشير جين توينجي في دراساتها حول «وباء النرجسية» إلى أن الخلط التاريخي بين تقدير
الذات والتميّز ساهم في تشويه المفاهيم النفسية، لكن في العلاقات النرجسية يحدث
العكس تمامًا؛ حيث يتم سحق تقدير الذات ومنع الضحية حتى من التفكير في احتياجاتها
الخاصة.
تُظهر الدراسات الحديثة أن الأفراد الذين يطوّرون شفقة صحية بالذات
بعد التعرض لعلاقات نرجسية يعانون من مستويات أقل من القلق والاكتئاب، ويتمتعون
بمرونة نفسية أعلى وقدرة أوضح على وضع الحدود وبناء علاقات أكثر توازنًا لاحقًا.
ذلك لأن حب الذات يفك الارتباط المرضي بين القيمة الشخصية ورضا الآخر، ويعيد بناء
الهوية الفردية التي تم تآكلها تدريجيًا داخل العلاقة. بالنسبة للضحية، لا يعني حب
الذات الانسحاب من العالم أو رفض الآخرين، بل الخروج من موقع الدفاع الدائم إلى
موقع الاختيار الواعي.
في النهاية، يمكن القول إن حب الذات، بالمعنى العلمي والإنساني، ليس
سببًا للنرجسية بل علاجًا لها. النرجسي يحتاج الآخر ضعيفًا، مشككًا في نفسه،
خائفًا من خسارته، بينما حب الذات يعيد للإنسان حقه في أن يكون بشرًا لا مشروعًا
للإصلاح الدائم. الطريق إلى التعافي لا يمر عبر محاولة أن نكون «أفضل» أو «أكثر صبرًا»،
بل عبر قبول حقيقتنا وحدودنا واستعادة كرامتنا النفسية.
وإذا كنتِ تقرئين هذا المقال وشعرتِ أنه يلامس تجربتكِ الشخصية، فذلك
لأن ما مررتِ به حقيقي وله تفسير علمي ونفسي واضح. التعافي من العلاقة النرجسية لا
يقتصر على الفهم النظري، بل يحتاج إلى دعم ومرافقة متخصصة تساعدك على تفكيك الذنب،
إعادة بناء الحدود، واستعادة الثقة بنفسك دون قسوة أو جلد ذات.
للاستشارات النفسية والدعم المتخصص لضحايا العلاقات النرجسية، يمكنكِ
التواصل معنا مباشرة. اختيارك لنفسك ليس أنانية، بل بداية الشفاء.



