السبت، 31 يناير 2026

ماذا يفعل النرجسي بعد أن تتركه؟

 


الانفصال عن شخصية نرجسية ليس مجرد نهاية علاقة، بل دخول في مرحلة حرجة نفسياً واجتماعياً، سواء للطرف الذي غادر أو للنرجسي نفسه. الشخصية النرجسية، كما وصفها أوتو كيرنبرغ وهاينز كوهوت، تحمل هشاشة شديدة في تقدير الذات، وحاجة دائمة للإعجاب والسيطرة. لذلك، ترك المرأة له يشكّل تهديدًا مباشرًا لهويته النفسية، ويثير سلسلة من التصرفات التي تهدف إلى استعادة السيطرة، الحفاظ على الصورة، واستنزاف الطرف الآخر عاطفيًا حتى بعد الانفصال. لفهم هذه الديناميكية بشكل مفصل، يجب النظر إليها من زوايا علم النفس العيادي، علم النفس الاجتماعي، والسوسيولوجيا، مع ربطها بأمثلة واقعية.

عندما تدرك المرأة أنها لم تعد قادرة على الاستمرار في العلاقة، أو قررت الانفصال، يبدأ النرجسي أولاً بتنشيط مرحلة الصدمة عبر المحاولة الأولى للسيطرة على المشاعر. هذه المرحلة غالبًا ما تتضمن التقلب بين الهجوم والمناورة العاطفية. قد يستخدم الغضب، التهديد، أو محاولة إلقاء اللوم على المرأة لتشعر بالذنب. في الوقت نفسه، يمكن أن يلجأ إلى التودد المفاجئ، الوعود الكاذبة بالتغيير، أو التظاهر بالأسف الشديد، في محاولة لاستدراجها للعودة. علماء النفس يسمون هذا تلاعب عاطفي “Push-Pull”، حيث يدفع النرجسي الطرف الآخر بعيدًا ثم يحاول سحبه مرة أخرى، ما يخلق ارتباكًا نفسيًا وإدمانًا عاطفيًا مشابهًا لتأثير التعزيز المتقطّع.

بعد ذلك، يظهر سلوك آخر شائع يسمى التجريد أو التجاهل العقابي. إذا رفضت المرأة الاستجابة للنداءات أو الاعتذارات الكاذبة، يبدأ النرجسي في الانسحاب الكامل أو الصمت الطويل، ما يعرف بـ Silent Treatment. هذا الصمت ليس هدوءًا بريئًا، بل وسيلة لإعادة فرض الهيمنة النفسية، وخلق شعور بالفراغ والذنب لدى الطرف الآخر. الدراسات العصبية تشير إلى أن هذا النوع من العقاب العاطفي يزيد إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، ويضعف القدرة على التركيز واتخاذ القرار لدى الضحية.

سوسيولوجيًا، الانفصال عن النرجسي لا يعني أنه يختفي من الشبكة الاجتماعية أو المحيط. في كثير من الحالات، يحاول النرجسي إعادة صياغة الرواية الاجتماعية لصالحه: يُظهر نفسه كشريك مثالي أو ضحية للخيانة أو سوء التفاهم. هذا الاستعراض الاجتماعي يعمل على الضغط النفسي للمرأة وجعلها تشك في قرارها، لأنه يواجهها بصورته المثالية أمام الآخرين، في حين هي عاشت الألم خلف الأبواب المغلقة.

واحدة من أخطر التصرفات بعد الانفصال هي محاولة الاستبدال أو الانتقام العاطفي. النرجسي قد يسعى لتكوين علاقات جديدة بسرعة لإظهار أنه قادر على الاستمرار دون الطرف السابق، وهذا يعكس داخليًا محاولة لتعويض الشعور بالنقص والخوف من فقدان السيطرة. أحيانًا يستخدم هذه العلاقات الجديدة كوسيلة لإثارة الغيرة أو الشعور بالنقص لدى المرأة السابقة، وهو ما يُعرف بـ triangulation في علم النفس الاجتماعي، أي إدخال طرف ثالث لتعميق الصراع النفسي.

في بعض الحالات، إذا شعر النرجسي أن السيطرة الكاملة لم تُستعاد، قد يلجأ إلى التشهير أو نشر الأكاذيب عن المرأة السابقة، سواء داخل العائلة أو دائرة الأصدقاء، لتعزيز صورته المثالية ولتقليل مصداقية الضحية. هذا السلوك مدروس بعناية ويهدف إلى إبقاء المرأة في موقع دفاع دائم، حتى بعد الانفصال.

الأمثلة الواقعية كثيرة:

  • امرأة تركت زوجها النرجسي بعد سنوات من الإهمال النفسي، فوجئت بمحاولاته المستمرة للاتصال عبر الرسائل الهاتفية المتكررة والظهور المفاجئ عند أماكن عملها، رغم رفضها التام للتواصل.
  • في حالة أخرى، بدأ النرجسي بإشاعة أن الانفصال كان بسبب خيانة مزعومة من الزوجة، في محاولة لتشويه سمعتها أمام العائلة والمجتمع.
  • مثال آخر، حيث أظهر النرجسي اهتمامًا زائدًا بشريك جديد بسرعة كبيرة، لا لإشباع حاجاته العاطفية، بل لإثارة الغيرة والتأثير على مشاعر المرأة السابقة، مما أوقعها في دوامة من التفكير المستمر والقلق النفسي.

من منظور التحليل النفسي، هذه التصرفات كلها تنبع من خوف النرجسي من فقدان الأهمية والسيطرة. العلاقة بالنسبة له ليست مشاركة، بل أداة لتعزيز ذاته، والحب مرتبط بالهيمنة. لذلك، بعد أن تتركه المرأة، يبدأ في إعادة تشكيل الواقع النفسي والاجتماعي حول نفسه، لضمان ألا تُستعاد استقلالية الطرف الآخر بسهولة.

الوعي بهذه الديناميكيات النفسية والسوسيولوجية هو خطوة أساسية للمرأة للتحرر النفسي بعد الانفصال. معرفة أن تصرفات النرجسي بعد الانفصال مخطط لها نفسيًا ومجتمعيًا، يمكنها من وضع حدود واضحة، تعزيز استقلاليتها، والانخراط في دعم اجتماعي وعاطفي بعيد عن أي محاولات لإعادة السيطرة. استراتيجيات مثل عدم الرد على المكالمات أو الرسائل غير الضرورية، الحفاظ على الحدود العاطفية، وإعادة بناء شبكة دعم قوية تساعد على كسر دورة السيطرة التي يحاول النرجسي الحفاظ عليها حتى بعد الانفصال.

في النهاية، تصرفات النرجسي بعد الانفصال لا تعكس ضعف المرأة أو إخفاقها، بل تعكس هشاشته الداخلية وحاجته المطلقة للسيطرة والإعجاب. الفهم العلمي والسوسيولوجي لهذه الديناميكية يمكّن المرأة من فصل المشاعر عن السلوك، وتطوير استراتيجيات عملية للحفاظ على صحتها النفسية والاجتماعية، بعيدًا عن محاولة التحكم به أو العودة للعلاقة المختلة.

في العلاقة النرجسية، لا تُرهَق المرأة لأنها ضعيفة، بل لأنها تحاول أن تحب شخصًا غير قادر على الحب.
الفهم النفسي هو أول خطوة للخروج من هذه الدائرة.
للاستشارة النفسية، تواصلي معنا عبر المدوّنة
.

اقرئي أيضًا:لماذا أشتاق للنرجسي رغم الأذى

الجمعة، 30 يناير 2026

لماذا أشتاق للنرجسي رغم كل الأذى؟

 الاشتياق لشخص نرجسي بعد التعرض للأذى يبدو للوهلة الأولى تناقضًا صارخًا: كيف يمكن أن تشتاقي لشخص أذى قلبك، قلّل من قيمتك، ودمّر ثقتك بنفسك؟ لكن علم النفس العصبي والاجتماعي يؤكد أن هذا الشعور ليس عاطفة عشوائية، بل نتيجة ديناميكيات نفسية معقدة، تتداخل فيها الحاجة إلى الانتماء، نمط التعلّق، التعزيز المتقطّع، والهياكل الاجتماعية والثقافية. لفهم هذا بشكل مفصل، يجب النظر إلى العلاقة النرجسية كمنظومة متكاملة من السيطرة، الإدمان النفسي، والروابط العاطفية المختلّة.

النرجسي، وفق تصنيف أوتو كيرنبرغ وهاينز كوهوت، شخصية تعاني من هشاشة داخلية شديدة في تقدير الذات، تحاول تعويضها عبر السيطرة، الانبهار المستمر من الآخرين، وفرض الهيمنة العاطفية. خلال العلاقة، يتناوب النرجسي بين المرحلة المثالية (Idealization Phase) حيث يُظهر الحب والاهتمام المفرط، ومرحلة التقليل أو الاستهانة (Devaluation Phase) حيث يُنتقد الطرف الآخر ويُستنزف عاطفيًا. هذه الدورة المزدوجة تخلق ما يعرف في علم النفس العصبي بـ التعزيز المتقطّع (Intermittent Reinforcement)، وهو نفس الآلية التي تجعل المخدرات أو القمار تسبب الإدمان: لحظات المكافأة النادرة تخلق تعلقًا نفسيًا قويًا، يجعل الدماغ يربط الألم بالأمل والانتظار بالإشباع.
من منظور نظرية التعلّق (Attachment Theory) كما طورها جون بولبي، النرجسي غالبًا ما يحمل نمط تعلق تجنبي أو مضطرب، بينما ضحاياه، خصوصًا النساء المستقلات أو القويات، غالبًا ما يملكن نمط تعلق قَلِق أو آمن مشروط. هذا الاختلاف يولّد شعورًا متواصلًا بالاشتياق: المرأة ترغب في القرب والدعم، بينما النرجسي ينسحب جزئيًا أو يتحكم بالمكافآت العاطفية. الدماغ، نتيجة لهذا التناوب، يبني ارتباطًا نفسيًا يعتمد على التوقُّع وعدم اليقين، أي أن الاشتياق يصبح جزءًا من نظام التحكم الداخلي وليس مجرد رغبة عاطفية بسيطة.
 
السوسيولوجيًا، الاشتياق يتغذى على المفاهيم الاجتماعية للألفة، الحب، والتضحية. في كثير من الثقافات، يُربّى النساء على الصبر والتحمل، ويُنظر إلى التنازل عن الذات من أجل الشريك كدليل على الحب الحقيقي. هذا الإطار يعمّق الانغماس النفسي، حيث يصبح الأذى جزءًا “مقبولًا” من العلاقة، بل وقد يُبرّر داخليًا: “هو أذاني، لكنه يحبني بطريقة خاصة”، “كل علاقة صعبة في بدايتها”، أو “ربما أستطيع تغييره بالصبر”. هذا ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ التبرير المعرفي (Cognitive Justification)، وهو محاولة العقل لتقليل التنافر المعرفي بين الألم والحب.
 
أحد أهم أسباب الاشتياق هو الارتباط العاطفي العميق الذي يتركه النرجسي. حين تكون العلاقة مليئة بالتقلبات، يميل الدماغ إلى تذكر اللحظات الإيجابية بشكل مفرط، متناسيًا الألم أو مقلّلًا من أهميته. علماء النفس العصبي يؤكدون أن الدماغ البشري يتعامل مع فقدان المكافآت العاطفية كنوع من الحرمان، فتنتج استجابات شبيهة بالإدمان، بما في ذلك الحنين، الرغبة في التواصل، والتفكير المستمر. بمعنى آخر، الاشتياق ليس حبًا فقط، بل استجابة عصبية لإدمان عاطفي تم إنشاؤه عبر علاقة مختلة.
 
في الواقع، كثير من النساء يختبرن هذا الاشتياق بشكل ملموس: امرأة تقول بعد انفصالها: “أشعر بالفراغ، بالرغم من أنني تعرضت للإهانة والإهمال، أفتقد حضوره ونصائحه، وأتمنى لو كان مختلفًا”. هذا مثال حي على كيف أن العلاقة النرجسية تصنع حنينًا مضادًا للأذى، حيث تصبح المرأة مدمنة على اللحظات النادرة من الحب أو التقدير، بينما تتجاهل الألم المزمن.
 
الصراع النفسي هنا مركب. المرأة تشعر بالذنب على اشتياقها، وتلوم نفسها لأنها لم تُغلق الباب تمامًا، رغم ما تعرضت له. علماء النفس مثل جوديث هيرمان يشيرون إلى أن هذا الشعور ينتج عن تآكل الحدود النفسية، حيث تصبح الذات مرتبطة بالآخر حتى بعد الانفصال، بسبب سنوات من التلاعب العاطفي والصمت العقابي والتقلبات النفسية المتكررة.
 
هناك أيضًا جانب آخر متعلق بالهوية: النرجسي غالبًا ما يجعل المرأة تشكك في قيمتها الذاتية خارج العلاقة. هي اعتادت على تقييم الذات عبر نظره، حتى وإن كان سلبيًا. بعد الانفصال، يبقى شعور الاشتياق مرتبطًا بما فقدته من “مرجع للذات”، أي أن جزءًا من هويتها النفسية ظل مربوطًا بالنرجسي، مما يزيد من صعوبة كسر هذا الارتباط.
 
من منظور سوسيولوجي، تزداد صعوبة التحرر عندما يكون النرجسي جزءًا من الشبكة الاجتماعية أو العائلية. المجتمع قد يستمر في تقديمه كشريك مرغوب أو ناجح، بينما يُظهر للمرأة أنها “مبالغة” في النقد أو مبالغة في الألم. هذا يكرّس الاشتياق الداخلي ويعقّد عملية الانفصال النفسي.
 
بناءً على الدراسات النفسية والسوسيولوجية، يمكن القول إن الاشتياق للنرجسي رغم الأذى يحدث بسبب تداخل العوامل التالية:
 
التعزيز المتقطّع: خلق نظام مكافآت عاطفية غير متوقعة يربط الألم بالأمل.
نمط التعلّق القلِق: الرغبة المستمرة في القرب والدعم في مواجهة انسحاب النرجسي.
التبرير المعرفي: محاولة العقل تفسير الألم كجزء من الحب أو العلاقة.
فقدان الهوية: اعتماد جزء من تقدير الذات على تقييم النرجسي.
السياق الاجتماعي: القيم الثقافية التي تُمجّد الصبر والتضحيات في الزواج.
الوعي بهذه الديناميكية ليس مجرد معرفة علمية، بل أداة عملية لاستعادة الذات. حين تدرك المرأة أن الاشتياق ليس مؤشرًا على حب غير طبيعي، بل نتيجة لآليات نفسية عصبية وسوسيولوجية محددة، تبدأ في التعامل مع شعورها بشكل أكثر وضوحًا ووعيًا. يمكن استخدام استراتيجيات مثل تطوير استقلالية عاطفية، الانخراط في دعم اجتماعي، ممارسة التأمل واليقظة الذهنية، وفصل الذات عن السلوكيات السابقة للنرجسي، حتى قبل اتخاذ أي قرار عملي بالانفصال أو إعادة العلاقة إلى حدوده الصحية.
  
 الاشتياق للنرجسي، بهذا المعنى، ليس ضعفًا أو جنونًا، بل نتيجة طبيعية لعلاقة معقدة، مختلة، ومصممة لإعادة تشكيل المشاعر والهوية. الفهم العلمي والاجتماعي لهذه الظاهرة هو الخطوة الأولى نحو التحرر النفسي، وإعادة بناء الثقة بالنفس، بعيدًا عن الإدمان العاطفي الذي خلّفته العلاقة النرجسية.

في العلاقة النرجسية، لا تُرهَق المرأة لأنها ضعيفة، بل لأنها تحاول أن تحب شخصًا غير قادر على الحب.
الفهم النفسي هو أول خطوة للخروج من هذه الدائرة.
للاستشارة النفسية، تواصلي معنا عبر المدوّنة.
Jakobaoe

ماذا يحصل للنرجسي عندما تختفي من حياته

 


اذا زوجك نرجسي وقالوا لك احكيلنا عنه

 


الانثى التي لاتمتلك اصدقاء كثر

 


اعترافات خطيرة من ضحية نرجسي


 

مفهوم النرجسية من منظور سيغموند فرويد

 

سيغموند فرويد

يُعدّ سيغموند فرويد أول من أدخل مفهوم النرجسية إلى الحقل التحليلي النفسي بوصفه مفهومًا علميًا منظمًا، بعدما كان المصطلح مستمدًا أساسًا من الأسطورة الإغريقية عن نرجس. وقد شكّلت النرجسية، في فكر فرويد، حجر زاوية لفهم تطوّر الشخصية، والعلاقة بين الذات والآخر، وكذلك لفهم عدد كبير من الاضطرابات النفسية. فالنرجسية عند فرويد ليست صفة أخلاقية ولا عيبًا في الشخصية، بل حالة نفسية لها جذورها التطورية والدينامية، وقد تكون طبيعية في مراحل معينة، أو مرضية عندما تتصلّب وتنفصل عن الواقع.

ينطلق فرويد من فرضية أساسية مفادها أن الطاقة النفسية أو الليبيدو (Libido) هي القوة المحركة للسلوك النفسي. هذه الطاقة يمكن أن تُوجَّه نحو الذات أو نحو الموضوع الخارجي (الآخر). ومن هنا يميز فرويد بين نوعين أساسيين من الاستثمار الليبيدي: استثمار موجَّه إلى الأنا، واستثمار موجَّه إلى الموضوع. النرجسية، وفق هذا التصور، هي الحالة التي يكون فيها الاستثمار الليبيدي موجّهًا نحو الأنا بدل أن يكون موجّهًا نحو الآخر.

في نصّه الشهير "في النرجسية: مقدمة" (1914)، يقدّم فرويد مفهوم النرجسية الأولية بوصفها مرحلة طبيعية في النمو النفسي. فالطفل في بدايات حياته لا يميز بوضوح بين ذاته والعالم الخارجي، ويكون هو مركز تجربته النفسية. في هذه المرحلة، يكون الطفل موضوع حبّ ذاته، وتتركز الطاقة الليبيدية داخله. هذه النرجسية الأولية ليست مرضية، بل ضرورية لتكوّن الأنا وبناء الإحساس بالذات. فالطفل يحتاج أن يكون محبوبًا، وأن يشعر بقيمته، كي تتشكل لديه بنية نفسية قادرة لاحقًا على التعلّق بالآخرين.

غير أن المشكلة تبدأ عندما يحدث خلل في الانتقال من النرجسية الأولية إلى القدرة على توجيه الحب نحو الموضوع الخارجي. في النمو الصحي، يتعلم الطفل تدريجيًا أن يخرج من تمركزه حول ذاته، وأن يقيم علاقات عاطفية حقيقية مع الآخرين، مع الاحتفاظ بإحساس متوازن بقيمته الذاتية. أما في الحالة النرجسية المرضية، فيبقى الفرد أسيرًا لاستثمار ليبيدي مفرط في ذاته، أو يعود إليه بشكل دفاعي بعد خيبات أو جروح نفسية.

هنا يقدّم فرويد مفهوم النرجسية الثانوية، وهي حالة يعود فيها الليبيدو من الموضوع الخارجي إلى الأنا. يحدث ذلك غالبًا نتيجة خيبة، رفض، أو صدمة عاطفية. فبدل أن يتحمّل الفرد ألم الفقد أو الإحباط في العلاقة، ينسحب نفسيًا من الآخر ويعيد استثمار طاقته في ذاته. هذا الانسحاب لا يكون وعيًا، بل آلية دفاعية تهدف إلى حماية الأنا من الانهيار. إلا أن هذه الحماية تكون مؤقتة ومضلِّلة، لأنها تعمّق الانفصال عن الواقع.

يرى فرويد أن الشخص النرجسي يعاني من علاقة مضطربة مع الحب الموضوعي. فهو إمّا يعجز عن الحب الحقيقي، أو يحب بطريقة مشروطة، قائمة على الإعجاب والتماهي، لا على الاعتراف بالآخر كذات مستقلة. النرجسي لا يختار موضوع حبه لأنه يراه كما هو، بل لأنه يعكس صورة مثالية عن ذاته. ولهذا، فإن علاقاته غالبًا ما تكون هشّة، قصيرة، أو مليئة بالصراعات، لأنها تنهار فور تهديد الصورة النرجسية.

ومن المفاهيم المركزية في تحليل فرويد للنرجسية مفهوم الأنا المثالية (Ideal Ego). الأنا المثالية هي الصورة التي يرغب الفرد أن يكون عليها، والتي غالبًا ما تتشكل في الطفولة نتيجة توقعات الوالدين أو إعجابهم المفرط أو المشروط. الشخص النرجسي يخلط بين ذاته الواقعية وهذه الصورة المثالية، ويطالب العالم أن يعامله وفقها. وأي فشل، أو نقد، أو تجاهل يُعدّ تهديدًا مباشرًا لبنية الأنا، ويُستقبل بحدة، غضب، أو انسحاب.

يربط فرويد بين النرجسية وبعض الاضطرابات النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب والذهان. ففي الاكتئاب، ينسحب الليبيدو من الموضوع ويُوجَّه نحو الأنا، لكن في صورة عدوانية، حيث تتحول الأنا إلى موضوع نقد وقسوة. أما في النرجسية، فيُوجَّه الليبيدو إلى الأنا في صورة تعظيم وتضخيم. ورغم الاختلاف الظاهري، يرى فرويد أن الحالتين تشتركان في خلل عميق في العلاقة مع الآخر.

كما يلفت فرويد الانتباه إلى أن النرجسية ليست دائمًا واضحة أو صاخبة. فقد تكون كامنة، متخفية خلف التواضع الظاهري، أو خلف دور الضحية، أو حتى خلف التفاني المفرط. ما يميزها ليس السلوك الخارجي فقط، بل البنية الداخلية: الحاجة المستمرة إلى الإعجاب، الحساسية المفرطة تجاه النقد، وصعوبة تحمّل الإحباط.

في النهاية، لا ينظر فرويد إلى النرجسية بوصفها شرًا نفسيًا مطلقًا، بل كظاهرة إنسانية لها جذورها التطورية ووظيفتها الدفاعية. لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى بنية ثابتة تمنع الفرد من إقامة علاقات حقيقية، ومن مواجهة ذاته كما هي، لا كما يتخيلها. فالنضج النفسي، في التحليل الفرويدي، لا يعني التخلي عن حب الذات، بل تحقيق توازن دقيق بين احترام الذات والقدرة على حب الآخر.

قد يبدو مفهوم النرجسية عند فرويد نظريًا، لكنه في الواقع يفسّر بدقة ما يعيشه ضحايا العلاقات النرجسية يوميًا. فعندما يصف فرويد انسحاب الليبيدو إلى الأنا، وعجز النرجسي عن الحب الموضوعي، فهو يصف علاقة يكون فيها الطرف الآخر حاضرًا بجسده، غائبًا بعاطفته، غير قادر على رؤية شريكه كذات مستقلة. في مثل هذه العلاقات، لا يُطلب من الضحية أن تُحَب، بل أن تؤدي دورًا نفسيًا: مرآة، مصدر إعجاب، أو أداة ترميم لجراح لم تُشفَ.

كثير من الضحايا يخرجون من هذه العلاقات وهم محمّلون بالارتباك، والذنب، وتآكل الثقة بالنفس، دون أن يفهموا ما الذي حدث لهم تحديدًا. التحليل النفسي لا يهدف إلى تبرير سلوك النرجسي، بل إلى فكّ هذه الديناميكية المؤلمة، وإعادة المعنى لتجربة أرهقتكِ نفسيًا وجعلتكِ تشكّين بذاتكِ. الفهم هنا ليس ترفًا فكريًا، بل خطوة أساسية لاستعادة الحدود، والوعي، والكرامة النفسية.

إذا شعرتِ أن هذا المقال يشرح علاقتكِ أكثر مما كنتِ قادرة على التعبير عنه، فاعلمي أن ما مررتِ به له تفسير، وله طريق تعافٍ. الاستشارة النفسية المتخصصة تتيح لكِ مساحة آمنة لفهم ما حدث، دون لوم، ودون تبرير للأذى، وبوتيرة تحترم قدرتكِ على الاستيعاب والتعافي.

للاستشارة النفسية المتخصصة في العلاقات النرجسية وفهم أثرها العميق على الذات، يمكنكِ التواصل معنا عبر صفحة التواصل في المدوّنة أو على الخاص.

: اقرئي أيضًا مفهوم الشخصية النرجسية في ضوء التحليل النفسي

متى يبدأ النرجسي بتدمير ثقة زوجته بنفسها؟

 

ذاتٌ مُستنزَفة

تتوه النساء أحيانًا في مفهومي الحب والزواج، معتقدات أن العلاقة الزوجية ستكون مساحة للدفء والدعم المتبادل، بينما في العلاقات النرجسية، تتحوّل هذه المساحة تدريجيًا إلى ساحة صراع على الهوية والكرامة. تدمير الثقة بالنفس لا يحدث فجأة، بل يبدأ في مراحل مبكرة جدًا من العلاقة، أحيانًا بعد أسابيع قليلة من الزواج، أو حتى أثناء فترة الخطوبة إذا كانت المرأة واثقة ومستقلة. لفهم هذا، لا بد من النظر إلى الآليات النفسية والسوسيولوجية التي يستخدمها النرجسي لتحقيق السيطرة، ومدى تأثيرها على الذات النسائية.

 

علميًا، الشخصية النرجسية تُعرف وفق تصنيفات أوتو كيرنبرغ وهاينز كوهوت بأنها تحمل هشاشة عميقة في تقدير الذات، وغالبًا ما تكون مصحوبة بحاجة مستمرة للإعجاب والسيطرة. عندما تتزوج امرأة واثقة بنفسها، مستقلة ومتعلمة، يصبح وجودها بمثابة مرآة تكشف هشاشة النرجسي الداخلية. هذا الانكشاف يولّد شعورًا بالتهديد، ومن ثم يبدأ النرجسي بمحاولة إعادة تشكيل هوية الزوجة لتتناسب مع هيمنته النفسية، وبذلك تبدأ عملية تدمير الثقة بالنفس.

 

عادة ما تكون المرحلة الأولى مموّهة بإعجاب مبالغ فيه. في البداية، يُظهر النرجسي اهتمامًا زائدًا، امتنانًا، ومودة، لإيهام المرأة بأنها محل تقدير دائم. هذه المرحلة، كما تشير الدراسات في علم النفس الاجتماعي، تُسمّى “المرحلة المثالية” (Idealization Phase). خلال هذه المرحلة، تبدأ المرأة بالارتباط النفسي العميق، وغالبًا ما تُبالغ في تقدير العلاقة نفسها، ما يجعل لاحقًا الانحدار في السلوك أكثر ألمًا وتأثيرًا.

 

بمجرد أن تبدأ العلاقة الرسمية، أو يزداد الاعتماد المتبادل، يبدأ تقويض الثقة تدريجيًا. النرجسي يستخدم مجموعة من الأساليب الممنهجة، منها النقد المستتر، المقارنة المستمرة، السخرية من القرارات، التقليل من الإنجازات، والتقلب العاطفي. هذه الأساليب تعمل على خلق شك داخلي لدى الزوجة: “هل أنا كافية؟”، “هل تصرفاتي صحيحة؟”، “هل قراراتي جيدة؟”. من منظور علم النفس العيادي، يُعرف هذا بـ Gaslighting، أي التلاعب بالواقع لإقناع الطرف الآخر بأنه مخطئ أو ضعيف، رغم أنه قد يكون على صواب.

 

سوسيولوجيًا، هذه الديناميكية لا تنشأ في فراغ. المجتمع الذي يثني على صبر المرأة وتضحياتها المستمرة، والذي يربط احترامها بقدرتها على التحمل والصمت، يعزز فعالية هذه الاستراتيجيات. المرأة في مثل هذه البيئة لا ترفض بسهولة إسقاط النرجسي لذاتها، لأنها تربّت على أن الصبر والتنازل فضائل. النرجسي يستغل هذا السياق الاجتماعي، فيُحوّل مزايا المرأة (قوتها، استقلالها، تعلّمها) إلى نقاط ضعف في العلاقة، حتى يضعف ثقتها بنفسها تدريجيًا.

 

المرحلة التالية تكون أكثر دقة وعمقًا: عندما تبدأ المرأة بالاعتماد على نفسها شعوريًا أو ماليًا، يُحاول النرجسي إعادة تعريف علاقتها بذاتها. يبدأ في فرض السلطة عبر الانتقاص المستمر، فرض قيود غير معلنة، أو استخدام الصمت العقابي. كل محاولة للتعبير عن الرأي أو اتخاذ القرار تُقابل بالسخرية أو التجاهل، ما يولّد شعورًا بعدم الكفاءة أو القلق المستمر. هذه العملية، كما أوضحت جوديث هيرمان في دراساتها عن الصدمات النفسية، تؤدي إلى تآكل الذات تدريجيًا، حيث تبدأ المرأة بفقدان قدرتها على تقييم نفسها بشكل مستقل.

 

في الواقع العملي، نجد أمثلة كثيرة: امرأة كانت واثقة في عملها ومجتمعها، بعد عدة أشهر من الزواج تجد نفسها تشك في قدراتها. كل قرار صغير يثير شعورًا بالذنب أو القلق، وحتى نجاحاتها تُقلل من قيمتها داخليًا بسبب المقارنات المستمرة أو الإشارات السلبية التي يوجهها الزوج النرجسي. كثير من النساء يبلغن مرحلة يعتقدن فيها أن سعادتهن مرتبطة بقدرتهن على إرضاءه فقط، وليس بمواصلة تطوير ذواتهن.

 

علميًا، تدمير الثقة يبدأ مبكرًا ليس فقط من خلال النقد المباشر، بل من خلال تغيير السياق العاطفي للعلاقة. النرجسي يمارس ما يُعرف في علم النفس العصبي بـ التعزيز السلبي المستمر، حيث يُربط الشعور بالرفض أو العقاب العاطفي بسلوكيات محددة للزوجة. الدماغ يستجيب لهذه الأنماط، فيصبح التركيز النفسي على تفادي الغضب أو الاستياء أكثر من التركيز على الذات والنمو الشخصي.

 

الأكثر خطورة أن هذه العملية غالبًا ما تكون خفيّة عن المحيط الاجتماعي. النرجسي يظهر أمام الآخرين كشريك مثالي أو محب، بينما يُمارس السيطرة والتقويض خلف الأبواب المغلقة. هذا يجعل الزوجة تشعر بالعزلة، ويزيد من إحساسها بعدم القيمة، ويُعزّز الانعزال النفسي الذي يحتاجه النرجسي لتكملة السيطرة.

 

من منظور نظرية التعلّق، غالبًا ما يملك النرجسي نمط تعلّق تجنّبي أو مضطرب، بينما المرأة القوية تميل إلى نمط آمن أو آمن مشروط. هذا الاختلاف يولّد صراعًا مستمرًا بين الحاجة إلى الدعم والاعتماد على الذات. كل محاولة من المرأة لاستعادة استقلالها أو التعبير عن رأيها تُفسّر لدى النرجسي كتهديد لهويته، فيزداد التشويش النفسي والتقويض المستمر للثقة.

 

خلاصة القول، النرجسي يبدأ بتدمير ثقة زوجته بنفسها منذ اللحظة التي يدرك فيها أن استقلالها وقوتها قد تهدد سيطرته، وغالبًا ما تكون البداية خلال الأشهر الأولى بعد الزواج، أو حتى قبل ذلك، عبر سلوكيات مموّهة تبدو ودية في البداية. ما يميز العلاقة النرجسية هو أن تآكل الثقة يحدث تدريجيًا، غالبًا بدون أن تدرك المرأة حجم الضرر حتى تتراكم التجارب.

 

الوعي بهذه الديناميكية النفسيّة والاجتماعية هو أول خطوة للحماية. معرفة أن فقدان الثقة بالنفس ليس خطأ المرأة، بل نتيجة نظام سيطرة نفسي متعمد، يتيح لها تقييم العلاقة بشكل واقعي، البحث عن دعم اجتماعي، والحفاظ على حدودها الشخصية، حتى قبل التفكير في أي إجراءات عملية. الفهم السوسيولوجي والنفسي لهذه العملية يمنح المرأة قدرة على استعادة الذات، ويضع الأساس لأي قرار مستنير للحفاظ على صحتها النفسية والجسدية.

في العلاقة النرجسية، لا تُكسَر المرأة فجأة، بل تفقد نفسها تدريجيًا.
الفهم هو أول خطوة لاستعادتها.
للاستشارة النفسية، تواصلي معنا عبر المدونة.

Jakobaoe

اقرئي أيضًا:علامات تدل انك في علاقة نرجسية وانت لازلت تنكرين


مفهوم الشخصية النرجسية في ضوء التحليل النفسي

 

زهرة النرجس


قصة نرجس في الأسطورة الإغريقية ليست حكاية جمالية أو تراجيدية فحسب، بل هي نصّ رمزي كثيف يحمل في طبقاته العميقة قراءة نفسية بالغة التعقيد عن العلاقة بين الإنسان وذاته، وعن التحول المرضي للحب عندما ينفصل عن الواقع وعن الآخر. فالأسطورة، كما هو حال معظم الأساطير الكبرى، لا تُروى لكي تُصدَّق حرفيًا، بل لكي تُفهم نفسيًا. نرجس ليس مجرد شاب جميل رأى صورته في الماء، بل هو تمثيل مبكر لبنية نفسية ستُعرف لاحقًا في علم النفس باسم “النرجسية”، بكل ما تحمله من صراعات داخلية، دفاعات نفسية، وعجز عميق عن بناء علاقة حقيقية مع العالم.

من منظور التحليل النفسي، تبدأ القصة من نقطة محورية: الجمال. نرجس كان جميلًا بصورة استثنائية، والجمال هنا لا يُقرأ بوصفه صفة خارجية فقط، بل كعامل نفسي شكّل علاقته بذاته وبالآخرين منذ الطفولة. في التحليل النفسي، عندما يُفرَط في إعجاب الآخرين بالطفل، أو عندما تُختزل قيمته في مظهره أو تميّزه، ينشأ ما يُسمّى بـ “الاستثمار النرجسي” المفرط. أي أن الطفل يتعلم، بشكل غير واعٍ، أن قيمته ليست فيما هو عليه داخليًا، بل فيما يعكسه للآخرين. هذا النوع من الاستثمار لا يُنتج ذاتًا مستقرة، بل ذاتًا هشة تعتمد في بقائها النفسي على الانعكاس الخارجي المستمر. نرجس، بحسب الأسطورة، كان مَطلوبًا، محبوبًا، مرغوبًا، لكنه لم يكن قادرًا على الحب. وهذا العجز عن الحب ليس نقصًا أخلاقيًا، بل علامة على خلل بنيوي في القدرة على التعلّق.

القدرة على الحب، في التحليل النفسي، تعني القدرة على رؤية الآخر ككائن مستقل، له رغباته وحدوده، وليس كمرآة تعكس الذات. نرجس لم يرَ الآخرين، لأنه لم يحتج إليهم نفسيًا. العالم الخارجي كان بالنسبة له مجرد مسرح يُثبّت صورته. وهذا ما نراه بوضوح عندما يرفض كل من يحبه. الرفض هنا ليس تعبيرًا عن الاكتفاء الذاتي الصحي، بل عن خوف عميق من العلاقة. فالعلاقة الحقيقية تتطلب مخاطرة: أن أُرى، لا كما أُحب أن أُرى، بل كما أنا. والنرجسية، في جوهرها، هي دفاع ضد هذا الخطر.

لحظة رؤية نرجس لصورته في الماء تُعدّ لحظة محورية رمزيًا. الماء في التحليل النفسي رمز للاوعي، وللعالم الداخلي غير المروّض. أن يرى صورته في بحيرة هادئة يعني أنه واجه ذاته، ولكن ليس الذات العميقة، بل الصورة. الصورة هنا هي “الأنا المثالية” Ideal Ego، تلك النسخة المتخيَّلة من الذات التي نطمح أن نكونها، والتي نطلب من العالم أن يعشقها. نرجس لم يقع في حب نفسه الحقيقية، بل في حب انعكاسها. وهذا فرق جوهري. فالحب الصحي للذات يتضمن قبول النقص، الضعف، والتناقض، أما الحب النرجسي فهو افتتان بالصورة الخالية من العيوب.

المأساة تبدأ عندما يحاول نرجس الوصول إلى صورته. هنا يتجلى البعد المرضي بوضوح. فالصورة ليست كيانًا يمكن امتلاكه أو الاندماج معه. إنها دائمًا بعيدة، زلِقة، غير قابلة للإمساك. وهذا يشبه تمامًا التجربة الداخلية للنرجسي: يسعى طوال حياته إلى الكمال، إلى الإعجاب المطلق، إلى الحب غير المشروط، لكنه لا يصل أبدًا. كلما اقترب، تلاشت الصورة. كلما حصل على إعجاب، احتاج إلى المزيد. إنها حلقة مفرغة من العطش النفسي.

اليأس الذي أصاب نرجس ليس ناتجًا عن عدم القدرة على الوصول إلى المحبوب فحسب، بل عن انهيار الوهم. في التحليل النفسي، عندما ينهار الوهم النرجسي، يحدث ما يُسمّى بـ “الجرح النرجسي”. هذا الجرح ليس حزنًا عاديًا، بل انهيارًا في بنية الأنا نفسها. لأن الأنا النرجسية لم تُبنَ على أساس واقعي متين، بل على انعكاسات خارجية. وعندما تتلاشى هذه الانعكاسات، لا يبقى شيء يستند إليه الفرد داخليًا. نرجس، في هذه اللحظة، لم يخسر حبًا، بل خسر ذاته كما كان يتصورها.

موته في الأسطورة يُقرأ نفسيًا بوصفه “موتًا رمزيًا للأنا”. ليس بالضرورة أن يُفهم حرفيًا كفعل انتحار، بل كفناء داخلي. كثير من الشخصيات النرجسية لا تموت جسديًا، لكنها تعيش موتًا نفسيًا صامتًا: فراغ، اكتئاب، شعور بلا معنى، أو تحوّل إلى قسوة وعدوانية. بعض المدارس التحليلية ترى أن النرجسية، في جوهرها، قريبة جدًا من الاكتئاب، وأن الفرق بينهما هو اتجاه العدوان: في الاكتئاب يُوجَّه العدوان إلى الداخل، وفي النرجسية يُنكر الضعف ويُسقَط على الخارج، لكن عند انهيار الدفاعات، يظهر الاكتئاب العميق.

تحوّل دم نرجس إلى زهرة هو عنصر بالغ الأهمية رمزيًا. الزهرة جميلة، لكنها ثابتة، صامتة، بلا وعي. وكأن الأسطورة تقول إن النرجسية، عندما تفشل في التحول إلى علاقة حية، تتجمد في صورة جمالية ميتة. الزهرة لا تحب، لا تُحِب، بل تُرى فقط. وهذا جوهر المأساة النرجسية: الوجود من أجل أن يُنظر إليه، لا من أجل أن يعيش أو يتواصل. ومن هنا نفهم لماذا ارتبط اسم النرجس في الثقافة بالجمال البارد، بالجمال الذي لا يمنح دفئًا.

من زاوية أعمق، يمكن قراءة القصة كتحذير نفسي مبكر من الخلط بين الهوية والصورة. الهوية النفسية تُبنى عبر التفاعل، الإحباط، التقبّل، والخسارة. أما الصورة فهي سطحية، قابلة للتكسر عند أول صدمة. نرجس لم يُطوّر “أنا” مرنة قادرة على تحمل الإحباط، بل أنا متضخمة لكنها هشة. ولهذا لم يحتمل المسافة بينه وبين صورته. هذه المسافة هي ما يسميه التحليل النفسي “الفرق بين الذات الواقعية والذات المثالية”. وكلما كان هذا الفرق كبيرًا، زاد الألم.

الأسطورة أيضًا تسلّط الضوء على غياب الآخر. لا يوجد في القصة علاقة حقيقية واحدة. الآخرون موجودون فقط كمعجبين مرفوضين. حتى الماء، الذي يعكس الصورة، لا يدخل في علاقة، بل يظل سطحًا. وهذا يعكس فراغًا علائقيًا شديدًا. فالنرجسية ليست حبًا زائدًا للذات بقدر ما هي عجز عن الارتباط. الشخص النرجسي، في العمق، لم يتعلّم كيف يكون في علاقة آمنة، ربما لأن العلاقة الأولى في حياته كانت مشروطة: “أنت محبوب لأنك جميل، لأنك مميز، لأنك تعكس ما نريده”. وهكذا يتعلم أن الحب ليس احتواءً، بل تقييمًا.

من هذا المنطلق، تصبح قصة نرجس مرآة نفسية لكل إنسان يعيش أسر الصورة، سواء كانت صورة الجمال، النجاح، القوة، أو المثالية الأخلاقية. كلما تعلق الإنسان بصورة عن ذاته بدل أن يعيش ذاته، أصبح أقرب إلى مصير نرجس. الأسطورة لا تتحدث عن شخص واحد، بل عن نزعة إنسانية عامة تتضخم في بعض الشخصيات حتى تتحول إلى اضطراب.

في النهاية، التحليل النفسي لقصة نرجس يكشف أنها ليست قصة غرور سطحي، بل مأساة نفسية عن ذات لم تُرَ يومًا كما هي، فبحثت عن نفسها في انعكاسها، وضاعت بين الصورة والحقيقة. إنها قصة عن العطش للحب الذي لا يجد وعاءً داخليًا يحتمله، وعن الجمال عندما يصبح قناعًا بدل أن يكون تعبيرًا، وعن الإنسان حين يفشل في الانتقال من حب الصورة إلى حب العلاقة. ولهذا بقيت الأسطورة حيّة حتى اليوم، لأنها تلمس جرحًا نفسيًا لا يزال حاضرًا في النفس البشرية، مهما تغيّرت الأزمنة والأشكال.

ليست كل الحكايات أساطير… بعضُها يروي ما نعيشه بصمت.
إن وجدتَ نفسك في قصة نرجس، فربما حان وقت أن ترى ذاتك بعيدًا عن الانعكاسات المؤلمة.
للاستشارة النفسية، تواصل معنا

Jakobaoe

اقرئي أيضًا: في عشق الانعكاس

في عشق الانعكاس

 

زهرة النرجس


مأساة نرجس الإغريقية

تروي الأسطورة الإغريقية القديمة قصة شاب يُدعى نَرجِس، كان آيةً في الجمال، حتى قيل إن كل من يراه يقع في أسره، لا لشيء إلا لأن ملامحه كانت تعكس كمالًا نادرًا يخطف الأبصار. نشأ نرجس محاطًا بالإعجاب، تتبعه النظرات أينما حلّ، وتُقدَّم له المشاعر دون أن يطلبها، لكنه، على الرغم من ذلك، بقي بعيدًا عن الجميع، عاجزًا عن أن يمنح قلبه لأحد. كان يرفض الحب لا عن قسوة متعمّدة، بل عن برود غامض، كأن شيئًا ما في داخله لم يتعلّم يومًا كيف يتصل بالآخر.

وذات يوم، وبينما كان يتجول وحيدًا في ريفٍ هادئ تحيط به الغابات، قادته خطواته إلى بحيرة ساكنة، صافية كأنها مرآة مصقولة. انحنى فوق سطحها، فرأى انعكاس وجهه للمرة الأولى بوضوح كامل. هناك، في ذلك الماء الساكن، التقى نرجس بصورة لم يكن يعرفها من قبل: صورته هو. في تلك اللحظة، وقع في حبٍ جارف، حبٍ لم يشبه أي حب آخر، لأنه لم يكن موجَّهًا إلى إنسان من لحم ودم، بل إلى صورة كاملة، صامتة، لا تطلب شيئًا ولا ترفض شيئًا.

أخذ نرجس يحدّق في انعكاسه ساعاتٍ طويلة، مأخوذًا بجمال الملامح، بسحر العينين، بتناغم الخطوط. كلما اقترب، اقتربت الصورة، وكلما حاول لمسها، تلاشت تحت تموّج الماء. لم يكن يدرك أن ما يراه ليس كائنًا يمكن امتلاكه، بل وهمًا لا يعيش إلا ما دام بعيدًا. ومع مرور الوقت، تحوّل الإعجاب إلى هوس، والهوس إلى شوقٍ مؤلم، ثم إلى يأسٍ خانق. أحب نرجس صورته حبًا مطلقًا، لكنه كان حبًا بلا إمكانية، بلا لقاء، بلا اكتمال.

راح يذبل شيئًا فشيئًا، لا يأكل ولا ينام، مشدودًا إلى البحيرة كأنها قدره المحتوم. كان الألم الذي ينهشه ليس فقط ألم الفراق، بل ألم العجز: عجزه عن الوصول إلى ما يحب، وعجزه عن الانفصال عنه في الوقت نفسه. ومع إدراكه المتأخر أن محبوبه ليس سوى انعكاس لا روح له، انهار داخليًا، وغمره يأسٌ عميق. تقول الأسطورة إن هذا اليأس قاده إلى الموت، فسقط جسده على ضفاف البحيرة، واختفى صوته الذي لم ينادِ أحدًا يومًا.

ومن المكان الذي سالت فيه قطرات دمه، نبتت زهرة جميلة، بيضاء تميل إلى الصفرة، مطأطئة الرأس نحو الماء، كأنها لا تزال تنظر إلى انعكاسها. ومنذ ذلك الحين، عُرفت هذه الزهرة باسم “النرجس”، تخليدًا لقصة الشاب الذي أحب صورته حتى الفناء.

وهكذا بقيت أسطورة نرجس حاضرة عبر القرون، لا كحكاية عن الجمال فحسب، بل كرمز إنساني عميق عن الانغماس في الذات، وعن المصير الذي قد يلقاه من يخلط بين الحب الحقيقي والانبهار بالصورة، وبين الذات الحية وانعكاسها الصامت.

في العلاقة النرجسية، لا تُكسَر المرأة فجأة، بل تفقد نفسها تدريجيًا.
الفهم هو أول خطوة لاستعادتها.
للاستشارة النفسية، تواصلي معنا 

Jakobaoe

اقرئي أيضًا:مفهوم الشخصية النرجسية في ضوء التحليل النفسي


كيف يستخدم النرجسي الصمت كعقاب نفسي؟

 

 


الصمت في العلاقات النرجسية ليس مجرد غياب للكلام أو لحظة هدوء عابرة، بل هو أداة متقنة للعقاب النفسي، تُستخدم بشكل متعمد لإعادة تشكيل سلوك الطرف الآخر والتحكم بمشاعره. النرجسي لا يعاقب بالضرب أو الإهانة المباشرة فقط، بل عبر أساليب أكثر دقة ودهاء، تترك آثارًا نفسية طويلة المدى على المرأة، خاصة إذا كانت صبورة ومستعدة للتضحية. لفهم هذه الظاهرة، لا بد من النظر إليها من منظور علم النفس العيادي والسوسيولوجي، مع ربطها بأمثلة واقعية تُظهر كيف تتحوّل العلاقة اليومية إلى ساحة تحكّم خفي.

الصمت كعقاب يُعرف في علم النفس بـ “Silent Treatment”، ويُدرج ضمن ما يسمّى الاعتداء النفسي العاطفي (Emotional Abuse). أبحاث علماء النفس مثل وينيكووت وجوديث هيرمان تؤكد أن هذا النوع من السلوك يهدف إلى فرض السيطرة النفسية وإضعاف الذات الأخرى تدريجيًا. النرجسي يستخدم الصمت ليُنشئ حالة من القلق والتوتر المستمر عند الطرف الآخر، حيث تصبح المرأة في حالة دائمة من التخمين: هل أخطأت؟ ماذا فعلت لتغضبه؟ هل هو غاضب مني؟

الآلية النفسية للصمت العقابي تعتمد على التعزيز المتقطّع (Intermittent Reinforcement)، وهي نظرية موثقة في علم النفس العصبي الاجتماعي. الدماغ، كما أظهرت الدراسات، يتفاعل بشكل أقوى مع المكافآت غير المنتظمة من الألم أو اللطف. عندما يمتنع النرجسي عن الكلام لفترة، ثم يعاود التواصل فجأة بلطف أو اعتذار جزئي، يُرسخ هذا التباين المربك رابطًا نفسيًا يشبه الإدمان: الألم يرتبط بالأمل، والأمل يرتبط بالرضا المؤقت، مما يجعل المرأة عالقة في حلقة من القلق والملاحظة المستمرة.

سوسيولوجيًا، الصمت كأداة عقاب لا يعمل بمعزل عن السياق الاجتماعي. في كثير من المجتمعات، المرأة مُربّاة على فكرة أن التحمّل والهدوء من الفضائل، وأن إظهار الغضب أو الانسحاب يُعتبر تقصيرًا أو ضعفًا. النرجسي يستفيد من هذه القيم لإضفاء شرعية على صمته: هي تتحمّل، لأنه على حق أو لأنها "مسؤولة عن توازن العلاقة". هذا الإطار الاجتماعي يعمّق الضغط النفسي ويُطيل فترة التأثير السلبي للصمت.

الخطورة تكمن في أن المرأة، أثناء الصمت العقابي، تبدأ بتقليص ذاتها داخليًا. تقول لنفسها: “ربما أنا السبب”، “لو تصرفت بشكل مختلف لما غضب”، “ربما أنا لا أفهمه كما يجب”. هذا ما يسميه علماء النفس التفكير الذاتي السلبي (Self-blame Cognition)، وهو أحد أهم النتائج النفسية للصمت العقابي. النرجسي بذلك لا يحتاج حتى إلى توجيه كلمات جارحة؛ كلماته المفقودة تُحدث الضرر الأكبر، لأنها تُجعل المرأة تشك في إدراكها لذاتها وواقعها.

في الواقع العملي، نجد أمثلة واضحة: امرأة تحاول التحدث عن شعورها بالإحباط بعد يوم طويل، فيُجابه صمت طويل من زوجها النرجسي. تمر ساعات أو أيام دون أي استجابة، ولا توضح الأسباب. المرأة تبدأ بمراجعة كل تصرفاتها السابقة، تعيد سرد الحوار، تبرّر المواقف، وتنتظر أي إشارة منه للطمأنينة. هذا الانتظار المستمر يُنتج حالة من القلق المزمن، ويزيد من مستوى هرمون الكورتيزول في الجسم، ما يؤدي إلى توتر دائم، أرق، وفقدان التركيز.

علميًا، الصمت العقابي يرتبط بما يُعرف بـ تجربة فقدان السيطرة (Loss of Control Experience). النرجسي يعرف أن السيطرة على سلوك الطرف الآخر تتحقق عبر التحكم بالقدرة على التفاعل الاجتماعي والعاطفي. المرأة المعتادة على الحوار، على التعبير عن شعورها، على مشاركة أفكارها، تجد نفسها فجأة مقطوعة عن الرد، مجبرة على الانتظار، محرومة من التواصل، وهذا يُضعف ثقتها بقدرتها على التأثير ويزيد اعتمادية نفسية غير صحية.

بالإضافة إلى ذلك، الصمت العقابي يعمل على تطويع التوقعات. بعد فترة، قد تبدأ المرأة بتجنب إثارة غضبه، وتعدل سلوكها لتفادي الصمت، حتى لو كان تصرفها طبيعيًا أو مشروعًا. بهذا الشكل، يصبح الصمت وسيلة لتدجين الطرف الآخر، وهو ما وصفه علماء النفس الاجتماعي بأنه “إعادة برمجة السلوك عبر العقاب العاطفي غير المباشر”. النرجسي لا يحتاج إلى الصراخ أو التهديد؛ يكفي الصمت ليعيد تشكيل علاقة القوة داخل الزواج.

أمثلة أرض الواقع كثيرة:

·        امرأة تتحدث عن نجاحها في عملها أو مشروعها، فيُقابل هذا بمقاطعة صامتة طويلة، ما يجعلها تشك في قيمة إنجازها.

·        امرأة ترفع صوتها للدفاع عن نفسها أو لأخذ قرار بشأن الأسرة، فيمتنع الزوج عن أي رد فعل، تاركًا فراغًا نفسيًا كبيرًا، وكأن كلامها غير موجود.

·        في حالات أبسط، يبدأ النرجسي بالتحول إلى “الغياب العاطفي” أثناء النقاشات اليومية، مما يجعل الطرف الآخر يعيد تقييم كل تصرفاته ويعيش في حالة من التوتر المستمر، مع شعور بالذنب غير المبرر.

الوعي النفسي والاجتماعي هنا حاسم. الصمت كعقاب ليس ضعفًا من الطرف الآخر، بل استراتيجية محسوبة لإضعاف الذات. معرفة هذه الحقيقة لا تزيل الألم فورًا، لكنها تمنح المرأة إطارًا لفهم ما يحدث وتقييم العلاقة بشكل أكثر واقعية. كما أن علماء النفس مثل جوديث هيرمان يؤكدون أن أول خطوة للحد من تأثير الصمت العقابي هي تحديد الحدود النفسية وتطوير آليات للتعامل مع الانتظار، مثل الانخراط في نشاطات مستقلة، تطوير شبكة دعم، وممارسة اليقظة الذهنية لتقليل القلق الناتج عن غياب الردود.

خلاصة القول، الصمت العقابي في العلاقات النرجسية هو أكثر من مجرد غياب للكلام؛ هو أداة سيطرة نفسية دقيقة، تؤثر على الثقة بالنفس، تحرّك أنماط القلق، وتستغل القيم الاجتماعية والدينية لتعميق التأثير. المرأة التي تفهم هذه الديناميكية تستطيع تقليل التأثير النفسي السلبي، وإعادة بناء قدرتها على التمييز بين الصمت كأداة تحكم والصمت الطبيعي أو الصحي.

الفهم العميق لهذه الآلية يمكّن المرأة من اتخاذ خطوات واقعية للحفاظ على صحتها النفسية، سواء كان ذلك عبر الحفاظ على حدود واضحة، الانخراط في دعم اجتماعي، أو إعادة تقييم طبيعة العلاقة نفسها. علم النفس السوسيولوجي يؤكد أن معرفة اللعبة النفسية هي الخطوة الأولى لاستعادة الذات، حتى قبل أي قرار عملي بالابتعاد أو المواجهة المباشرة.

✦ إن شعرتِ أن هذا المقال يصفك، فأنتِ لستِ وحدك

✦ تابعي صفحتنا على إنستغرام وفيسبوك

✦ الوعي أول طريق التعافي

Jakobaoe

اقرئي أيضًا:كيف يدمرك النرجسي وانت تظنين أنك امراة صبورة 

استعادة الكرامة بعد العلاقة النرجسية ....

  حبّ الذات ليس أنانية حبّ الذات ليس أنانية… بل استعادة للكرامة بعد علاقة نرجسية يُثير مفهوم «حبّ الذات» لدى ضحايا العلاقات النرجسية شعورً...